تأرجُح اللهجة الأهوازيّة بين القُرَشيّة والتّميميّة

 


 بقلم :ياسر زابية

 

لاشك أنّ للغة قريش المكانة الأولى بين اللهجات العربية التي قد عرفتها الجزيرة العربية وما حولها من أماكن قطنتها العرب ،وبفضل نزول القران بها و وجود الكعبة الشريفة و الأسواق الأدبية المعروفة قد أصبحت هي الفصحى المقصودة ، متقدمةً على نظيراتها  الأخرى. وقد أشبعها اللغويون القدامى بحثاً ، واعتنوا بها من  حيث النطق و الرسم والإعراب والوضع والاشتقاق ،ولكن هذا لا يعني أنّ اللهجات الأخرى ضعيفة في جميع المجالات ولا تستحقّ البحث والدراسة.

يؤكّد عدد من اللغويين القدامى أنّ اللهجة التميمية أقوى قياساً من بعض قواعد اللهجة القرشية مستشهدين  بمواضيع كثيرة منها : كسر أوائل الأفعال المضارعة.

فهذا سيبوية يرى أنّ القياس في أوائل الأفعال المضارعة الكَسرُ ،ويذكر كيف يُراعي التميميون هذا القياس الذي تراعيه جميع العرب إلاّ الحجازيين .

وتجدر الإشارة هنا انّ هذا القياس كان ولا يزال يُراعى عند الأهوازيين حيث يقومون بكسر أوائل الأفعال المضارعة حالهم كحال إخوتهم العرب في الجزيرة العربية نحو: يِكتب، نِمشي، تِصرخ، يِنامون وغيرها من الأفعال الأخرى.

ومن الفوارق الأخرى بين لغة قريش ولغة تميم هو نَبر الهمزة اي التزام النطق بها عند التميميين وعدم نبرها اي تسهيلها وعدم النطق بها عند الحجازيين إلاّ عند محاكاة التميميين.

عُرِف التميميون بنبر الهمزة الذي كان يستحسنه العرب خاصة ً البدو منهم ،ومجئ القران بنبر الهمزة كان تأييداً لِما كانت تقوم به تميم ،ولكن القران لم يلزم المسلمين بتحقيق الهمزة  وحبّذت بعض القرء آت التسهيل في ذلك،فقرأ البعض "وأصبحَ فؤاد أمّ موسى فارغاً" (القصص 10)على نحو "وأصبحَ فواد أمّ موسى فارغاً" .

قد سُمِّي التميميون بأهل النبر وقد أطلق ابن سيدة أبوالحسن علي بن اسماعيل صاحب كتاب المخصص لقب "أهل التحقيق" على الذين ينبرون الهمزة و يحققونها سواءً كانوا تميميين أم قريشيين ،لأنّ بعض الحجازيين كانوا ينبرون الهمزة تأسياً بالتميميين أيضا.

أما الأهوازيون يميلون الى عدم النبر في كلامهم ،اي يستسهلون عدم الالتزام بنطق الهمزة ،ويحتذون بالقرشيين في هذا المجال وينطقون بها أحياناً كما نطق بها بعض القرشيين. وإليك هذه النماذج من عدم نبر الهمزة عند الأهوازيين:

فواد (فؤاد)، تاريخ (تأريخ) ، ياخذ (يأخذ) ، يامر(يأمر) ،  ماكول (مأكول) ، مامور (مأمور) ،قاري (قارء،قارئ ).

وممّا لاينبره الأهوازيون هي الهمزة المقلوبة عن الحرف العلّة الواقع بعد الألف الزائدة نحو:  خايف (خائف) ، قايل (قائل)، سايل(سائل)، زايف (زائف ) ، جاير(جائر) .

وايضاً من الفوارق بين القرشية والتميمية  هو موضوع إدغام المِثلينِ عند التميميين وفكّ إدغامهما عند القرشيين ،مثلاً : جاء في القران الكريم وفقاً للهجة قريش: "واغضض من صوتك ( لقمان/19ً) اي أخفض صوتك بينما يقول التميميون: 'غضّ صوتك " بالإدغام. ويستشهد البعض بقول جرير وهو شاعر تميميّ حين يقول:

فغضّ الطرفَ إنّك من نميرٍ،

فلا كعباً بلغت ولا كلابا.

وجاء في القران: "ولا تَمنُن تستكثر"(المدثر/6)بينما تقول تميم: لاتمنّ.

أما الأهوازيون يجنحون الى إدغام المِثلين مُحتذينَ بالتميميين في هذا الأم ،لأنرهم يرون في ذلك سهولة وفي فكّ الإدغام صعوبة وتكلّفا، فيقولون:  شدّ ولايقولون أشدد،(شدّ الحَبل) و حلّ وفكّ وسدّ بدل أحلل،حلل و فكك، ،أفكك وأسدد،سدد  (سدّ الباب).

ومن الفوارق الأخرى بين القرشيين والتميميين هو موضوع التذكير والتأنيث ،ففي اسماء الأماكن يُذَكّر التميميون الطريق والسوق والصراط والسبيل كما هي الحال عند الأهوازيين وتُؤنثها قريش. وتؤنث قريش  أيضاً مفردات التمر والشعير والذهب بينما هذه الأسماء تُستعمل مُذكّرةً عند التميميين والأهوازيين .

ممّا لاشك ٌ فيه هو أنّ اللسان العربي كان مؤلفاً من وحدات لغوية متعددة بتعدد لغات ولهجات القبائل لكنّه صُقِل َ وتَوحّد قبل بزوغ فجر الإسلام وقُوِيَ و تمّ بعده ،أي بعد نزول القران به  (بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ ). ولغة قريش وتميم هما اللغتان  الرئيستان  بين لغات  العربية وكانتا من أهم لغات ولهجات  العرب واكثرهن إنتشاراً، وتأثّر اللهجة الأهوازية بهما خير دليل على  قدمتها وأصالتها وأصالة الناطقين بها .       ً

وما هذا الذي عرضناه  إلاّ نموذجاً من  تأرجُح اللهجة العربية الأهوازية بين القرشية والتميمية ،فمرةً تراها قرشية وتارةً أخرى تميمية ،وهذا ما يجعلها لهجة قوية جامعة وحاضنة  لكلتا اللهجتين القويتين المُعتمَد عليهما في الجزيرة العربية آنذاك واللتين قد ذاع صيتهما ونطق بهما الكثير من ناطقي لغة الضاد.

ومن هذا المنطلق ينبغي أن تحظى اللهجة العربية الأهوازية باهتمام اللغويين والباحثين والناقدين وأصحاب الرأي و  الأقلام ليثبت للجميع أنها لغة الأهوازيين الأصلية وليست مُستعارة و  ليست مُنفكة عن اللسان العربي ّ ولا عن نظيراتها العربية.

 وهذا التوجّه لا يتعارض مع الاهتمام باللسان العربي  (اللغة الأمّ ) الذي هو غايتنا ومُبتغانا ، بل يصبّ في مصلحته والاندفاع نحو تعلُّمه بخطوات ثابتة ، و نموه و ازدهاره.

المصدر :

http://www.borwall.com/index.php/1390-07-24-10-29-57/1390-09-12-10-39-10-v15-18/6671-2015-06-13-08-35-14