الخلاف على تسمية الأهواز – أحمد الدريساوي

 23 مارس,2014 في الآراء

 

مسميات الأقاليم و المدن تشكل جزءً من تاريخ و تكوين هوية الشعوب و عراقتها.

فهوياتها تحمل صفة الإنتساب إلى الأرض، و لذلك تسعى الشعوب لأن تبقي هذا الجانب محمياً من السلب و الإندثار. و بما ان معظم الدول اليوم تتفاخر بتواريخ مدنها و قدمة عمرانها و ما قدمته من ثراء للبشرية، فعلى هذا المقياس لا يمكن – و تحت اي شكل من الذرائع او التبريرات- ان تخضع الحقائق التاريخية و منها مبحث مسميات المدن لمزاجيات سياسية و فكرية ايديولوجية قد تصب في مصلحة جهة او فكرة ما، اذ انها ستفقد اصالتها و تجعلها قابلة للتشكيك و الجدل بل و حتى الرفض، كما حدث في واقع الأمر بالنسبة لتسمية الأحواز.

تاريخ ام سياسة؟

مدار البحث هنا قضية لسانية علمية، و لا مجال لصياغة الخطابات السياسية او تحميل الرؤي الفكرية فيه. علم التأثيل (علم تاريخ الألفاظ) يبحث في جذور الكلمات و سير تطورها و بذلك يكون بحثاُ تاريخياً و منهجياً علمياً بعيداً عن الأهواء و التحزب الفئوي. اما غلية النزعة الشخصية فسيؤدي لتطويع الحقائق لصالح الرغبات و الآراء الشخصية.

عندما تُستخدم كلمة الأحواز فهذا لاعتقاد طيف من الأهوازيين بأنه الاسم الأصلي و التاريخي للإقليم (رغم افتقاده للسند المعتبر و المؤكِد) و بأن الأهواز تحريفاً لها فهذا سعي منهم لاعادة الحقائق التاريخية إلى نصابها و لو كان غير ذلك لتشبثوا باسم عربستان رسمياً و شعبياً دون الحاجة لطرح مسمىً آخر. كذلك عندما نستمر باستخدام اسماء مثل المحمرة و الفلاحية و الخفاجية و عبادان و غيرها من اسماء المدن الأهوازية المستبدلة قسراً، فهذا ايماناً بالدفاع عن الهوية التاريخية و الحقائق المراد طمسها من قبل السلطة الفارسية و نخبها. و لذلك لا مجال هنا لأن نتحدث عن مشروعية استخدام كلمة الأحواز لوجود اغلبية تستخدمها او لأنها تسمية ثورية تحفيزية او بداعي صياغة مشروع جديد لقضيتنا.

عروبة الاسم و عروبة الإقليم

لقد كان توظيف اسم الأحواز ايديولوجياً و تبريرياً بالدرجة الأولى و اكثر من كاتب نص على استخدام الأحواز للتدليل بعروبة الإقليم متغافلين عن الحقائق التاريخية او الاعتبار للحضارات المتعددة و دورها في تاريخ الإقليم.

هذا المنهج في ربط عروبة الإقليم بعروبة الإسم كما كان ينادي به اصحاب الإتجاه القومي العروبي اوقعهم في اشكالات متعددة الجوانب تطرح للتساؤل.

صحيح ان حاضر المدن العربية الأهوازية و تاريخ الإقليم يؤكدان على الوجود العربي منذ ما قبل فتح الإسلام (دولة ميسان نموذجاً)، لكن اصحاب الإتجاه القومي العروبي يتغافلون عن دور الحضارات و الدول المختلفة التي ساهمت ايضاً في تطور عمران الإقليم و تجددها مثل العيلاميون و الآشوريون و الكلدانيون والماديون (علي نعمة الحلو الأحواز الجزء الثاني) فالوجود الغير عربي لا يمكن الغاءه من اراض تعرف بأنها مهد الحضارات و لا يمكن تسمية تلكم الأراضي بالعربية الخالصة (العراق، سوريا، الأهواز، لبنان الخ…).

و نذكر من المدن الأهواز التالية : شوشتر، انديمشك، لالى، آنديكا، رامهرمز، جنديشابور، ايزه، دزفول، ارجان (بهبهان حالياً)، سوس ، كبنك (هفت تبه حالياُ)…

فإما سكانها من الفرس و اللر و العيلاميين و ليس العرب فقط او ان مسميات هذه المدن فارسية او لرية او حتى عيلامية. و بناء على اساس (عروبة الإقليم بعروبة الإسم) ستلغى تلك المدن من جغرافية (الأحواز العربية) لتصبح اراضي الأهواز ما يقطن فيه العرب فقط.

و الغريب ان اصحاب الإتجاه القومي العروبي يؤيدون هذا المنهج في الأهواز و يتغافلون عن تطبيقه في بلدانهم. و كما نرى فإن من بلدان العرب من تحمل أسماء غير عربية (ليبيا، لبنان، سورية، اردن، فلسطين، موريتانيا) كما انها تحمل اسماء غير عربية لمدنها و بالرغم من ذلك فان القوميين العرب لم يغيروها رسمياً او شعبياً بل تبنوها بالرغم من غلبة العرب في هذه الأقاليم، مع ذلك اصبحت اسماء هذه المدن جزءً من هويتهم الوطنية و التاريخية ايضاً. على سبيل المثال ان اصحاب التوجه القومي العروبي في العراق، و بعد ان وصلوا لسدة الحكم فيها لم يغيروا اسم عاصمتهم بغداد و هو مصطلح فارسي كما يذكر الحموي في معجمه (هناك عدة تفاسير و هذه اشهرها و قد ذكرها الحموي في معجم البلدان)، ألا انهم ابقوا عليها و تغنوا بها و بأمجادها، بالرغم من مقدرتهم لتبني اسماء مختلفة وتاريخية عربية كدار السلام و المنصور!!!

نرى في ذلك دليل على انه لا يتم استبدال مسميات تلك الدول فقط لنزعة قومية او لتقوية الهوية القومية كما يراد من تسمية الأحواز. فأي فائدة تذكر لإستخدام مصطلح لم تثبت بالأدلة استخدامها للإقليم بل جاء لنزعة قومية فقط؟ اوليس هذا هو اساس التفريس في ايران او العبرنة في فلسطين؟ اليس اساس الدفاع عن المسميات العربية لمدن الأهواز ترجع إلى تاريخيتها ايضاً؟

تهافت الحموي

و بما ان النص تم توظيفه للتدليل على عروبة الإسم و الإقليم دون الأخذ بالإعتبار الثبوت التاريخي للإسم، فإن المروجين له ابتعدوا ايضاً عن كشف التناقضات في نفس المادة التي يقتبسون منها. حتى لو اشار بذلك اي فردٍ فلن يولوا له الإهتمام و يعيدوا تكرار نفس الإقتباس بشكل مقطع و بعيد عن الروح العلمية.

نذهب إلى النص نفسه من معجم البلدان الحموي الذي يستشهد به الأخوة منه و هو المقطع الأول لا اكثر و لا اقل:
آخره زاي، وهي جمع هوز، وأصله حوز، فلما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيّرتها حتى أذهبت أصلها جملة لأنه ليس في كلام الفرس حاء مهملة، وإذا تكلّموا بكلمة فيها حاء قلبوها هاء فقالوا في حسن هسن، وفي محمّد مهمّد، ثم تلقّفها منهم العرب فقلبت بحكم الكثرة في الاستعمال..

المتن اعلاه هو الجزء الوحيد الذي يقتبسه الأخوة، اما ما بقي مما ذكره الحموي فيتغافلون عن ذكره عمداً لإدراكهم ان التكملة ستكشف التناقضات الواضحة في تفسير الحموي للإسم:

“على هذا يكون الأهواز اسما عربيّا سمّي به في الإسلام، وكان اسمها في أيام الفرس خوزستان”

نلاحظ ان الحموي يحدد اطلاق مسمى الأهواز من بعد ايام الفرس “اي بعد انتهاء حكم الإمبراطورية الفارسية و فتحها بواسطة المسلمون العرب” و وفقاً لهذا نستنتج ان اسم الأحواز اطلق من بعد الفتح الإسلامي و لم يكن قبل ذلك اسمه سوى خوزستان. و هنا نتساؤل كيف يمكن للحموي ان يغفل عن ذكر مصدراً حديثياً واحداً ينقل اسم الأحواز او تكلم عن تغيير المسمى من الأحواز إلى الأهواز.

على سبيل المثال تذكر احدى المصادر رسالة بعثها الخليفة الثاني عمر بن خطاب للصحابي عتبة بن غزوان، أحد قيادات الجيش المسلمين اثناء استكمال القتوح الإسلامية في العراق و فارس:

يا عتبة، إن الله قد فتح على إخوانكم الحيرة وما حولها ، وقتل عظيم من الفرس ووطئت خيل المسلمين أرض بابل ، ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس فإني أريد أن أوجهك إلى الأبلة لتمنع أهل تلك الجيزة من الأهواز وميسان عن إمداد إخوانهم على إخوانكم, وقاتلهم حتى يفتح الله عليكم… (اخبار الطوال للدينوري)

ففي هذه الرسالة يذكر اسم الأهواز اثناء معارك الفتوح الإسلامية و المفترض ان العرب مازالوا يستخدمون كلمة الأحواز بأدنى تقدير، اذ اما ان الاسم قديم و تبدل إلى الأهواز و هو ما يخالف نظرية الحموي من ان الإسم سمي في الإسلام، او ان الإسم تبدل لفظه من بعد الفتح و هو ما يخالفه السند المذكور في هذا المجال و غيرها من الأسانيد التي ذكرت اسم الأهواز اثناء معارك الفتح الإسلامي.

خوز فلان و خوزستان

التناقض الأخير و الأهم ينكشف في تفسيره لكلمة خوز الموجودة في خوزستان.
“وفي خوزستان مواضع يقال لكل واحد منها خوز كذا، منها: خوز بني أسد وغيرها”
ينسب الحموي هنا خوزستان تيمناً عن كل موضع يقال له خوز و منها خوز بني اسد، و هذا يعد خطأ كبيراً جداً ينقض فكرة اصل كلمة الأحواز، فحسب الفرضية يجب ان تكون المفردة حوز بني اسد و ليس خوز، كما ان الكلمة ليست بعربية اساساً ولا معنى للخوز على انه تملك و حيازة.

و في موقع آخر يقوم بتفنيد رأيه الذي بناه هنا، ففي مادة خوز في معجمه يذكر:
الخوز: هم أهل خوزستان ونواحي الاهواز بين فارس والبصرة وواسط وجبال اللور المجاورة لاصبهان.

و في باب خوزستان يقول مباشرة بعد مادة خوز:
خوزستان: بضم أوله، وبعد الواو الساكنة زاي، وسين مهملة، وتاء مثناة من فوق، وآخره نون: وهو اسم لجميع بلاد الخوز المذكورة قبل هذا.

هنا اصبحت لدينا نظريتين: الأولى تقول ان في الإقليم مناطق كل واحدة منها تنطق بحوز (الأحواز)، و اخرى تنطق بخوز (الأخواز). و كلاهما من نفس المؤلف!!!

***
نعيد التذكير بأنه لا يمكن تأسيس مشروعية لكلمة الأحواز دون الإثبات التاريخي، لأن اسم الأهواز أو الأحواز اسم قديم مرتبط بقدمة الإقليم و تاريخه و ليس حديثاً. غير البحث التاريخي و العلمي فهو مجرد تجنيد مسيس للإسم يعرض تاريخنا و جموع الأهوازيين للتفرق و التشتت تحت طائلة الرغبات بصياغة خطاب جديد للأهوازيين.

و اذا كانت كلمة الأحواز لم تثر الخلافات منذ تبنيها حتى تسعينات القرن الماضي، فتسمية الأهواز لم تثر الخلاف اصلاً منذ ان ذكرها المؤرخون و الجغرافيون العرب كإسم للإقليم. و حتى يومنا هذا مازال الإسم مدرج بألسنة الأهوازيين و منهم يستدلون بهويتهم و كلنا نعرف ان ايران لا تقبل تسمية الأهواز للإقليم بل تتمسك بخوزستان. بل ان كلمة عربستان لم تثر اشكالاً حتى يتم تبديله للأحواز او الإستفادة منه و دليل على ما نقوله وجود تنظيمات رفعت هذا الإسم (جبهة تحرير عربستان) و ايضاً وجود تنظيم سابق رفع اسم جبهة تحرير الأهواز (جابر احمد، كتاب عرب الأهواز). فلا يمكن اعتبار من رفع هذه الأسماء بالمتخاذلين و المتشرذمين و المتؤيرنين بالرغم من وجود ناشطين اهوازيين اعتقلوا و القوا في زانزين النظام الإيراني لنشاطهم لسبيل القضية، و مازال البعض ملاحقين حتى الآن. .

اقول ان الخلاف الذي نشب حول اسم الأهواز نتاج التسييس الذي وقع به الأهوازيين و الأخطاء التي تكدست طيلة عقود في حقول التاريخ و الفكر دون مراجعة (بما فيها جغرافيةة الأهواز و محاولة نسب عرب الهولة و الساحل الشرقي إلى الأهواز ايضاً).

لقد كانت معظم الأطروحات التي تقدم في الساحة الأهوازية هي نتاج قناعات تنظيمية او شخصية و الغفلان عن وجود شعب تختلف رؤاه ولا يمكن جمعه في رؤية فكرية او سياسية واحدة، فمابالك بمسلمات تشكل هويته؟
و التسمية في النهاية ليس ملك تيار ما او حزب بل هي ترجع في النهاية إلى هوية شعب بأكمله و لا يستدل به على تيار سياسي من خلاله. فليس شرطاً ان تكون تحررياً لتؤمن بأصل كلمة الأحواز او ان تكون اهوازياً لتؤمن بالفيدرالية. لأن الإنفصال او الحكم الذاتي اطروحتان تخضع للمتغيرات السياسية و الواقع الموضوعي و اسم الإقليم لا دخل له في ذلك.

وعندما نقول كلمة الأهواز فالأمر الواقع بأنه اسم تاريخي و مدرج ضمن جميع المصادر التاريخية و مازال يطلق على الشعب العربي هناك. اما حينما نقول الأحواز فالأمر سيحتاج لإثبات ثم تغيير قناعات و هذا ما لا يمكن تحققه حتى لو سعى من اجل ذلك الأخوة بشتى الطرق، فستنشب الإختلافات و ستصل إلى حدة متطرفة يرفض كل طرف ٍ الآخر. في النهاية لن يتمكنوا من جمع الشعب بعد كل هذا التشديد على هذا الأمر، اذ لكل تيار سيكون له جمهوره.

و ختاماً اقول للأخوة الذين يريدون اتخاذ تسمية الأحواز و هم يعلمون انهم لن يحصدوا منها سوى الخلاف و التشتت: انه كلما غاليتم كلما ساهمتهم في تأسيس هويات متفرعة ستمحو هوية الوطن و الشعب الواحد وستؤسسون لها ملامح خاصة بها. و كلما شددتم كلما رفضتم الطرف الآخر، و كلما زدتم من هذا الأمر كلما اسرعتم في بناء جدران لن تخرجوا منها.

و الخاسر الأول و الأخير سيكون الشعب لا احد آخر..