محاضرة في جامعة هلسنكي حول الاوضاع الايرانية الداخلية و الخارجية

 محاضرة  في جامعة هلسنكي حول  الاوضاع  الايرانية  الداخلية و الخارجية

 

 

جامعة هلسنكي بالتعاون  مع البروفيسورألسيد هانو يوسو استاذ اللغات السامية   في قسم الدراسات الاسيوية و  المدير السابق للمعهد الفنلندي لدراسات الشرق الاوسط في  دمشق و بالتعاون مع جمعية الصداقة الفنلندية السورية  ألقى الباحث الاهوازي الأستاذ جابر احمد يوم الجمعة المصادف 23. 11. 2012 من على مدرج الجامعة محاضرة تناول فيها بشكل مختصر تطورات الأوضاع السياسية في ايران منذ ثورة الدستور وحتى الوقت الحاضر مركّزاً على سياسة الجمهورية الإيرانية في المجالين الداخلي الخارجي و على اضطهادها للشعوب غير الفارسية في إيران وعلى تدخلاتها الإقليمية وبخاصة تدخلاتها الفظّة في شؤون الشعب السوري .

وقال الأستاذ جابر احمد أن إيران تاريخياً احتلت في الماضي موقعاً استراتيجياً مهماً لكونها كانت تقع على طريق الحرير الذي يربط بين الصين وآسيا الوسطى من جهة وشبه الجزيرة وبلاد الشام من جهة أخرى. وهي اليوم تتمتع بنفس الأهمية الاستراتيجية لإطلالتها على الخليج في الجنوب وعلى بحر قزوين في الشمال كما لعبت إبان الحرب الباردة دوراً مهماً في منع التمدد الشيوعي نحو المياه الدافئة ولعلها اليوم من بين أكبر دول المنطقة التي لها حدود مشتركة مع مجموعة من البلدان المتنوعة الثقافات والأديان حيث تجاور كل من أفغانستان ،تركمانستان، آذر بايجان ،تركيا و العراق، والباكستان  وقال ايران  منذ أن دخلها الإسلام في ربيع سنة 632 م حتى مجيء حكم الصفويين بزعامة الشاه إسماعيل الصفوي "التركي الآذري الأر دبيلي" عام 1501م، كانت بلدا سني المذهب وساهمت  آنذاك مساهمة فعالة في مجال نشر الإسلام والاهتمام في إثراء العلوم الإسلامية و ألإنسانية حتى أن أشهر شعراءها  وهم حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي هما من أبناء أهل السُّنَّة  .

ثم  تطرق أثناء محاضرته إلى العوامل المؤثرة في الأفكار السياسية في إيران وقال : والمتتبع للفكر السياسي الحداثوي في إيران يرى أن هذا الفكر أثناء تطوره قد تأثر وفي مختلف مراحل العلاقات الاجتماعية ، الاقتصادية ، الثقافية و التحول التاريخي للمجتمع الإيراني بثلاث عوامل رئيسيه وهي على  التوالي تطور المجتمعات الاوروبية وبخاصة حركة الفكر الفلسفي والسياسي في أوروبا والتحولات الإصلاحية والاجتماعية التي شهدتها المملكة العثمانية وكذلك التحولات الاجتماعية والفكرية في روسيا القيصرية وخاصة بعد الإطاحة بالنظام القيصري .

أما المراحل المهمة التي مرت بها الأفكار السياسية في إيران هي الأخرى مرت في ثلاث مراحل وهي على النحو التالي : المرحلة الاولى واستمرت منذ عام 1811 وتزامنت مع  ارسال أول بعثة للطلاب الإيرانيين إلى الغرب حتى ثورة الدستور 1908 والمرحلة الثانية من ثورة الدستور حتى عزل رضا شاه وهي تشمل المرحلة الواقعة بين عام 1908حتى 1941 أما المرحلة الثالثة فتبدأ بصعود محمد رضا شاه 1941 حتى سقوطه عام 1978 وقد  تناول المحاضر كل جوانب هذه التطورات وما افرزته على المستوى الداخلي و الخارجي . وقال ان مرحلة حكم الشاه وأبيه شهدت إعادة النظر في تعريف الهوية الإيرانية ، وذلك عبر ما عُرف بمشروع الدولة – الأمة ، دولة ديكتاتورية يسندها العسكر و أمة عنصرية تستند على ما يسمى بالعرق الآري وهو مشروع قومي عنصري وعدواني بامتياز كما  يقول الكاتب الافغاني حسن مبلغ في دراسة له تحت عنوان " رؤية في الخطاب القومي المتطرف " ترجمتها عن اللغة الفارسية ونشرتها في خمس حلقات على مواقع الانترنيت " إذا قرانا الخطاب القومي الفارسي الإيراني منذ نشأته ومن ثم تبنيه رسميا من قبل الأنظمة المتعاقبة على دفة الحكم في ايران نراه يتصف بخاصتين أساسيتين كونه صديق للعنصرية و لا يجد نفسه خارجا عن إطارها .و اضاف  المحاضر  ان هذا الخطاب  اعتمد على عدة عناوين رئيسة منها: لا مركزية الدولة و تجاهل تنوعها ألقومي. واعتماد التاريخ الإيراني القديم وهو تاريخ من صنع مخيلة المستشرقين الغربيين و المثقفين القوميين الفرس الرامي  الى  . ترويج نظرية العرق " الآري " وتمييز الفرس دون سواهم بالانتماء إلى هذا العرق . واللغة الفارسية وفرضها على جميع الشعوب الإيرانية غير الفارسية  واعتماد المذهب الشيعي " الصفوي " كمذهب رسمي للدول .

 أما فيما يخص النزعة الامبراطورية الإيرانية التوسعية ، قال الأستاذ جابر احمد انها نزعة تكونت خلال التاريخ الإيراني كله حيث أن الحفاظ على حدود متميزة للدولة جعلها باستمرار عرضة للتفكك الداخلي و النزاعات بين العنصر الفارسي و باقي الاقليات " القومية " والانكشاف امام التدخل الخارجي عسكريا وثقافيا ، ومن ثم فإن الحفاظ على الدولة ذاتها ظل مرتبطا باستمرار بالتوسع الخارجي ، وهي صفة يصفها الكاتب الإيراني رمضاني أنها تمثل نوعا من " القومية العدوانية " الناجمة عن ميول عدم التكييف في الشخصية القومية الايرانية ، مما يجعلها تميل الى اتخاذ دور الهيمنة في المنطقة التي تعيش فيها .

تطرق الاستاذ جابر احمد  ايضا  الى الاضطهاد  القومي  التي تعاني منها الشعوب الايرانية  في مرحلة حكم الاسرة البهلوية  متطرق  الى مشروع الدكتور  محمود افشار  و والمتضمن 8 نقاط  والهادف الى تغير البنية  السكانية في ايران  بما فيها  اضطهاد الشعب العربي  الاهوازي

سقوط نظام الشاه و إقامة نظام الجمهورية الاسلامي:

في 15 كانون الثاني - يناير من عام 1979 تمت الإطاحة بنظام الشاه ورغم أن ذلك شكل تغيراً أساسيا في النظام إلا انه لم يؤدِّ الى تغيير كبير في الطابع الإمبراطوري للتكوين القومي الإيراني ، فإذا كانت النزعة الإمبراطورية في عهد الشاه تسند إلى التاريخ الفارسي قبل الإسلام فإن أيدلوجية  الثورة  الاسلامية في ايران  كما يقول  الدكتور عبد المنعم سعيد في كتابه  العرب وجيرانهم  هي  في أوسع معانيها كانت الإسلام و هو إيديولوجية " عابرة للقوميات " بمعنى أنها تتعدى الحدود الجغرافية والثقافية للشعوب مستندة في ذلك إلى الدين ، و في أضيق معانيها فإن الإسلام الشيعي - هو كما أسلفنا يمثل الفتح الفارسي للإسلام - هو أيضا ايدلوجية عابرة للقوميات ، حيث يمتد تصورها وهيمنتها الى كل الاقليات الشيعية وراء الحدود القومية . الجديد هنا ان استناد القومية التوسعية الفارسية الى عنصر الدين في اوسع معانيه وأضيقها يعطي زخما وعنفوانا اكبر بكثير مما كان عليه الحال في قومية تستند الى التراث التاريخي للشعب الفارسي .

ايران الاسلامية و تدخلاتها الاقليمية :

وعلى ضوء ما ورد نرى اليوم لجمهورية ايران الاسلامية جماعات ومليشيات في اكثر من بلد موالية لها منها : جماعات في افغانستان ، مليشيات حزب الله في لبنان ، مليشيات الحوتي في اليمن ، الجماعات المواليه لها على اساس مذهبي في كل من العراق و السعودية و البحرين و بقية بلدان الخليج ، كما لها جماعات اشترت ضمائرها بالمال في كل من مصر و ليبيا و المغرب وحتى في تونس . وفي هذا المجال من المفيد ان نذكر تصريحات قائد "فيلق ألقدس في الحرس الثوري العميد قاسم سليماني حيث قال : "إن الحمية الثورية التي تجتاح مصر وغيرها من البلدان العربية تتمخض عن إيرانات جديدة يجمعها العداء للولايات المتحدة ألأمريكية وأضاف أن "المنطقة تمخضت اليوم عن عدد من الإيرانات الكبرى ألجديدة فمصر إيران جديدة سواء أردتم أم لم تريدوا وزاد المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنه اي علي ذلك بقوله في خطبة الجمعة التي ألقاها باللغة العربية في 3 فبراير 2012 بمناسبة حلول الذكرى الثالثة والثلاثون للثورة ألإيرانية أن "الثورة الإسلامية التي نجحت في إسقاط أكبر ديكتاتور علماني في إيران قد عمت الدول ألعربية وأن انتخابات مصر وتونس وتطلعات الشعوب في البحرين واليمن تدل على أنهم يريدون أن يكونوا مسلمين معاصرين دون إفراط وتفريط "  متجاهلا ما يجري في  سوريا من قتل ودمار .

التدخلات الايرانية في الشأن ألسوري:

وتطرق الاستاذ جابر احمد اثناء محاضرته الى العلاقات القائمة بين البلدين كون اخبار هذه العلاقات أصبحت مرادفة لما يجري في سورية خاصة بعد ما القى الجيش السوري الحر القبض على مجموعة من قوات البسيج والحرس الثوري الايراني في مدينة حمص والسيدة زينب و الذين قدموا لمساعدة النظام السوري في قمع الجماهير السورية الثائرة مما يعتبر تدخلا سافرا مرحبا من قبل النظام . وقال أننا على دراية كاملة بوجود قوات من الحرس و البسيج الايراني يقاتلون الى جانب الشبيحة و الجيش السوري ويساهمون في قمع المواطنين السوريين وذلك لما يملكه هؤلاء من خبرات في مجال قمع الشعوب و القوى الديمقراطية و الوطنية في ايران .

وقال الاستاذ جابر احمد ان جذور التعاون بين النظامين السوري والإيراني في المجالات الامنية و العسكرية يرجع الى عام 1979 ( اواخر ديسمبر ) اي بعد انتصار الثورة الايرانية مباشرة حينما سمحت سورية لقوات الحرس الثوري بفتح معسكرا لها في بلدة بلودان السورية ورغم ان الهدف المعلن لوجود هذا المعسكر هو مساهمة الحرص الثوري الايراني في تحرير فلسطين و لكن الهدف الحقيقي هو نقل الخبرة الامنية السورية في كيفية سيطرة الحرس الثوري على مفاصل الدولة الامنية و العسكرية ولعل من بين اهم الذين تدربوا في هذا المعسكر محمد منتظري ابن علي منتظري خليفة الخميني المعزول و شخص يسمى ابو شريف وهو اول رئيس للحرس الثوري بعد سقوط نظام الشاه و على الشمخاني الذي اصبح فيما بعد وزيرا للدفاع وقد تنوعت مهام الحرس في سورية منها بين امني و عسكري و تجاري و تبشيري ، بالإضافة الى المساعدة في تسهيل عملية ذهاب وعودة الحرس الثوري من مدينة بعلبك اللبنانية الى سورية و من ثم ايران .

كما ان الدور الذي لعبته سورية في دعم النظام الايراني عسكرياً ابان الحرب العراقية ، قد بدء فعليا اثناء زيارة حافظ الاسد ( الرئيس المتوفى ) الى موسكو للتوقيع على معاهدة الصداقة و التعاون السورية السوفيتية في اوائل تشرين الثاني من عام 1980 وذلك بعد شهر من اندلاع الحرب العراقية الايرانية ، حيث اكدت المصادر الغربية في حينها ان الهدف الاساسي لهذه الزيارة كان توسط سورية لصالح ايران لتسهيل شحنات الاسلحة السوفيتية اليها . ، كما لم يعد خافيا على احد انه بدءا من عام وحتى انتهاء الحرب العراقية الايرانية اصبح المجال الجوي والموانئ السورية كممرات لإرسال الاسلحة من مختلف البلدان الى ايران . ثم تطرق الى العلاقات القائمة بين ايران وسورية في المجالات الاقتصادية والسياسية و الامنية وقال ان من يدير هذه العلاقات ويشرف عليها من الجانب الايراني هما جماعات الحرس الثوري وجيش القدس الذين اصبحت اليوم يسيطرون اليوم على 80% من التجارة الداخلية والخارجية في ايران .

كما سمح النظام السوري في عام 2005 الى تدفق عشرات المسلحين من جماعات حزب الله البناني في المشاركة في قمع انتفاضة الشعب العربي الاهوازي التي اندلعت في الخامس عشر من نيسان من عام 2005 كما ساهم ضباط من الامن السوري في ملاحقة بعض ابناء عربستان فوق الاراضي السورية وسلمت خمسة منهم الى ايران بالإضافة الى سماحها لإفراد من جماعة حزب الله اللبناني في قمع انتفاضة الإصلاحيين عام 2009 او ما يعرفون في الحركة الخضراء حيث ارتكبت هذه الجماعات جرائم بشعة بحق المتظاهرين في طهران وبقية المدن الايرانية لاسيما الاقاليم القومية و بخاصة الشعب العربي الاهوازي التي طالما اتهمت ايران مناضلة بالتآمر على الثورة و تعريض وحدة ايران وسيادتها الى الخطر بالإضافة الى دور حزب الله في اعتقال العديد من مناضلي  الشعب العربي الاهوازي الممنوحين حق اللجوء السياسي من قبل هيئة الامم المتحدة في بيروت وتسليمهم الى ايران .

مانيا الخطيب - هلسنكي فنلندا