يوسف عزيزي يكتب في الاندبندنت عن معتقلي الأهواز; السجن والسجان والمعتقلون العرب في إيران

 

السجن والسجان والمعتقلون العرب في إيران

يوسف عزيزي  | اندبندنت عربية

بناء السجون ظاهرة رافقت المجتمعات البشرية منذ القدم ومنها المجتمع العربي في إقليم عربستان-الأهواز. وفي قراءتي هنا لظاهرة السجون في هذا الإقليم أبدأ من أوائل القرن العشرين وسأركز على فترة ما بعد ثورة 1979 الإيرانية.

قبل الثورة

كان سجن الشيخ خزعل (1897 – 1952) في المحمرة يثير الخوف في صفوف خصومه، حيث كان يحوي على أعداء الشيخ وخاصة بعض الشيوخ الذين لم يرضخوا لحكمه وأبرزهم الشيخ عاصي الشرهان أحد شيوخ بني طرف.  

بعد القضاء على الحكم العربي في إمارة عربستان وهيمنة الحكم البهلوي تم بناء سجون جديدة لمواجهة القبائل والجماهير العربية الناقمة على الحكم الفارسي. وقد حول الشاه رضا بهلوي، اصطبل خيول الشيخ خزعل في مدينة الأهواز إلى سجن كبير في جنوب حي الناصرية الذي عُرف في عهد ابنه، الشاه محمد رضا بهلوي باسم سجن "آخر اسفالت"، كما تم إنشاء سجن "أحمد آباد" في مدينة عبادان وكل ذلك لاحتواء الحركات القومية والعمالية في الإقليم. بل وكان نظام الشاه يستخدم أيضا مباني في المعسكرات النظامية كسجون، بما فيها سجن معسكر الفرقة المدرعة 92 في الأهواز.

وفي العام 1970 تم نقل السجن المركزي من حي الناصرية إلى حي كارون بالأهواز، وفي العام 2016 نُقل مرة أخرى إلى بلدة شيبان – القريبة من الأهواز العاصمة. ولكل سجن تاريخ دامٍ مشفوع بذكريات وإعدامات وعمليات تعذيب ووفيات تحت التعذيب لمناضلين ونشطاء عرب جاهدوا من أجل حقوقهم المسلوبة، بل وقضى بعض الأهواز تحت التعذيب بسبب كلام يذم الشاه أو حديث عن اضطهاد النظام للعرب أو مناصرة لزعيم عربي، إن كان عبدالناصر أو صدام حسين أو آخر، وهو كلام يجري عادة على أفواه الناس المستاءة هنا وهناك.   

 بعد الثورة

بدأت الاعتقالات منذ الأيام الأولى لقيام الثورة وقد شمل المسؤولين الكبار خصوصا العاملين في جهاز الأمن الملكي (السافاك) حيث غصت السجون في عربستان حتى من العناصر العادية من هذا الجهاز. فخلافا لثورتي فيتنام ونيكاراغوا تم تنفيذ حكم الإعدام في المئات من كبار مسؤولي النظام الشاهنشاهي. ونحن نعرف أن السلطات الثورية في فيتنام ونيكاراغوا (الأولى قامت في 1975 والثانية في  1979 بالتزامن مع الثورة الإيرانية) لم تصدر أي أحكام بالإعدام ضد عناصر النظامين البائدين هناك. وسرعان ما شملت عمليات الاعتقال العناصر اليسارية ونشطاء القوميات غير الفارسية بما فيهم العرب. وقد امتلأت سجون مدينتي المحمرة وعبادان في أعقاب مجزرة يوم الأربعاء الأسود (30 يونيو 1979)، حيث تم قتل وإعدام نحو 300 مواطن عربي في السجون وخارجها. 

 فلم تتوقف آلة الإعدام حتى خلال الحرب الإيرانية – العراقية (1980 – 1988) التي كانت عربستان إحدى ساحات معاركها الرئيسية. إذ أخذت السلطات الأمنية تعتقل وبحجة الطابور الخامس أي عربي يعارضها أو تشتبه في أمره. لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المسجونين والمعدومين في تلك الفترة بسبب ظروف الحرب وفقدان وسائل الإعلام. فعلى سبيل المثال أصدر صادق الخلخالي، حاكم شرع البلاد، في أكتوبر 1980 وخلال محاكمات سريعة وسرية أحكاما بالإعدام ضد 16 من المواطنين العرب في مدينة الخفاجية بحجة التعاون مع القوات العراقية قبل انسحابها من المدينة.  

وفي العام 1985 زُج بمئات الأهواز في السجون إثر مشاركتهم في انتفاضة الكرامة الأولى، وتم تعذيب العديد منهم بسبب خرقهم الظروف الحربية السائدة آنذاك، وقد تزامن ذلك مع تأسيس وزارة الاستخبارات الإيرانية (وزارت اطلاعات) التي بدأت أعمالها قبل تلك الانتفاضة ببضعة أشهر. إذ خرج العمل الاستخباري والأمني السياسي من التشتت ليتركز بيد وزارة واحدة تابعة للحكومة.

واتسمت ظروف السجون خلال فترة الحرب الإيرانية العراقية بالقسوة، ليس في إقليم عربستان بل وفي كل إيران.

شهدت الفترة (1985–1997) بين الحين والآخر، عمليات تفجير أنابيب وآبار نفط وحرائق في محال تابعة للمستوطنين غير العرب تم خلالها اعتقال وإعدام العديد من المواطنين العرب لم نحصل حتى الآن على إحصاءات دقيقة عنهم.

وقد تراجعت هذه العمليات في عهد الرئيس محمد خاتمي (1997 -2005) إلى أدنى حد، إثر الانفتاح الجزئي في الأجواء السياسية. ونتيجة التطورات التي شهدتها الساحة العراقية خلال الفترة (1991-2003) عاد إلى الوطن، العديد من الأهوازيين الهاربين إلى العراق بعد الثورة، وقد أدى ذلك إلى امتلاء السجون الأهوازية مرة أخرى وشاهدنا تعاون البعض من هؤلاء المعتقلين مع السجانين وصمود البعض الآخر.

انتفاضة 2005 وما بعدها

في العام 1997 كشف آية الله حسين علي المنتظري، الخليفة السابق للخميني، عن أبشع مجزرة شهدتها السجون الإيرانية في صيف 1988 حيث تم تصفية نحو خمسة آلاف سجين كانوا يقضون فترات حكمهم، منهم العشرات من العرب الذين كانوا ينتمون لمنظمة مجاهدي خلق والفصائل اليسارية. كما سبق أن  شهدت الفترة (1981-1985) إعدام شباب وشابات عرب أهوازيين ينتمون لتلك المنظمات الإيرانية.

وقد قمعت السلطات الإيرانية انتفاضة نيسان 2005 إثر اعتقالها المئات من المتظاهرين في الأهواز والمدن الأخرى، تلتها تفجيرات وأعمال عنف بعد أن تمت عسكرة الانتفاضة التي أسفرت عن إعدام نحو 50 مواطنا عربيا أهوازيا خلال عامي (2006-2007).

وبعد انتفاضة نيسان 2005 تم تسريب كلام أحد المسؤولين في الأهواز قائلا "إننا سنعتقل نحو 500-600 ناشط أهوازي، وبذلك سنقضي على الحراك العربي في الإقليم".  لكن رغم تلك الاعتقالات الواسعة لم ينته الحراك في السنوات التي تلت. واستمرت الاضطرابات بين الحين والآخر خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية وتم إعدام العشرات بمن فيهم شعراء ومثقفون ونشطاء سياسيون، أبرزهم الشاعر هاشم الشعباني والمدرس هادي الراشدي.

لقد حفلت شوارع الأهواز والمدن الأخرى بمظاهرات واحتجاجات جماهيرية خلال عامي 2017 و2018، بما فيها الانتفاضة الإيرانية العامة في ديسمبر (كانون الأول) 2018 ويناير (كانون الثاني) 2018 وانتفاضة الكرامة الأهوازية في مارس (آذار) 2018 تلتها مظاهرات في مدن الفلاحية والمحمرة وعبادان أسفرت عن اعتقالات واسعة.

كما استغلت السلطات الإيرانية حادث الهجوم المسلح على منصة العرض العسكري في الأهواز في 22 سبتمبر (أيلول) 2018 لتعتقل، في ظروف هيسترية، مثقفين وناشطين سلميين لا علاقة لهم بالحادث لا من قريب ولا من بعيد لتصفي حساباتها معهم بهذه الحجة. تلى ذلك، اعتقالات شملت شخصيات ومجموعات مدنية بعد مشاركتها في إغاثة المنكوبين في فيضانات مارس (آذار) 2019. وتفيد آخر إحصاءات نشطاء حقوق الإنسان الأهوازية عن اعتقال نحو 3500 مواطن عربي خلال الأحداث الآنفة الذكر. وتحتفظ السلطات الإيرانية حاليا بنحو 800 سجين عربي فيما تم الافراج عن 2700 بكفالات مالية. وقد تم توزيع هؤلاء السجناء كالتالي:

400 سجين في سجن شيبان: 150 في العنبر الخامس و250 في العنبر الثامن.

200 سجين في سجن همدان، بينهم نساء عرب

100 سجين في طهران، خاصة في سجن ايفين

100 سجين موزعين على سجون مدن مشهدو مسجد سليمان، وسنندج، وجرجان، ورشت، واردبيل ومدن أخرى.

فلا يمكن أن نعتبر المفرج عنهم بكفالات مالية – أغلبها وثائق ملكية – أحرارا لأنهم ينتظرون المحاكمة وهم في سجن كبير. ويوجد مثل هؤلاء الألوف – حوالي مليون – في كل إيران.

هناك نحو 8 مواطنين عرب محكوم عليهم بالإعدام لم يعرف الكثير عن حيثيات ملفاتهم والتهم الموجهة إليهم. لكن في اللحظات الأخيرة لكتابة هذا المقال تلقيت خبرا بتنفيذ حكم الإعدام باثنين من النشطاء السنة الأهوازيين هما: قاسم بيت عبدالله وعبدالله كرم الله كعب في سجن مدينة دسبول شمال الإقليم.

حسب تقديراتي الأولية يوجد حاليا نحو 6 آلاف سجين في إقليم عربستان (خوزستان رسميا) بمن فيهم السياسيون والمتحولون إلى المذهب السني. فمن هؤلاء أكثر من 4 آلاف سجين، بين مهرب ومعتقل بسبب جرائم سرقة وقتل نفس. كما حسب تقديري أعدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد قيام الثورة وحتى الآن، أواسط 2019، بين 700 الى ألف مواطن عربي في الإقليم.

الوضع الراهن

لا يتعرض السجناء العرب للضغوط الهائلة فحسب، بل هناك ضغوط حكومية على عوائلهم تمنعهم من التحدث عنهم لوسائل الإعلام، ناهيك عن الظروف الاقتصادية المزرية التي تعانيها معظم هذه العوائل. وقد أسفرت الضغوط على السجناء بإجبار البعض منهم لتسجيل فيديوهات يعترفون فيها بأعمال لم يرتكبوها، ويبدو أن الاستخبارات تحتفظ بهذه الفيديوهات لتستخدمها ضدهم، متى شاءت وبأي شكل تريد. كما أن هناك ندرة في عدد المحامين المستقلين في الإقليم خلافا لطهران والمدن الكبرى الأخرى.

الرابط الأصلي: www.independentarabia.com/node/46836/آراء/السجن-والسجان-والمعتقلون-العرب-في-إيران-%C2%A0#.XUrnnfWcJ3w.twitter