كلمة الدكتور كريم عبديان بني سعيد، أمام المؤتمر الثاني لمجلس القوى الديمقراطية في إيران

 السيدات والسادة،

أسعدتم  صباحا:

لقد اجتمعنا في هذا المؤتمر من أجل حوار شامل وبناء قد لا يفضي إلى وحدة سياسية على الفور، وإنما من أجل وحدة الكلمة وحول خطاب مرحلي يضعنا جميعا على الطريق الصحيح. وفي الحقيقة هذا هو محتوى الكلام والهدف الذي تمت من خلاله الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر .

لقد اجتمعنا هنا لنبحث ونتحاور وندرس مع جميع  القوى الديمقراطية التي تسعى للإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية وازالة جميع العقبات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف والتي تأتي في مقدمتها التشتت وعدم الانسجام. ونريد على أقل تقدير أن نبدأ  من أرضية التضامن والاستجابة لهذه الضرورة الملحة.

إن وحدة النضال من أجل إسقاط النظام الذي قضى على أكثر من جيلين من أبناء المجتمع الإيراني أصبحت مهمة وطنية وضرورة تاريخية. كما أن أي منا، أي أي حزب أومنظمة أو أي قومية وشعب  بمفرده غير قادر على القيام بتنفيذ هذه المهمة المصيرية بمفرده، ولو كان بوسعه لفعل ذلك خلال العقود الأربعة الماضية .

من هنا، فإن الخلاص والتحرر من هذه ديكتاتورية نظام ولاية الفقيه وبعد أربعة عقود أصبح ضرورة تاريخية لا يمكن تجنبها، ولذا فإن الخلاص من هذا النظام يتطلب بالضرورة اتحادنا وفي الوقت الراهن أمامنا فرصة تاريخية للشعوب الإيرانية، يجب استثمارها من قبل القوى الديمقراطية المطالبة بالحرية في إيران نظرا لمأزق النظام الذي يستمر في مغامراته التوسعية في المنطقة.

إن هذا النظام لا يعادي  الإيرانيين في داخل البلاد فحسب، وإنما أصبح عدوا لجميع  شعوب المنطقة من بينها الشعب العراقي و اللبناني و السوري واليمني بسبب دوره الدموي في الحروب والنزاعات التي أشعلها في هذه الدول ودوره  في عدم الاستقرار وزعزعة الأمن في المنطقة والعالم ما جعله منبوذا لدى القوي الاقليمية والدولية وشعوب المنطقة.

يجب علينا كقوى ديمقرطية أن نستفيد من هذه الفرصة لمخاطبة الرأي العام  العالمي وأن نستغل هذه الفرصة الذهبية لللخلاص من هذا النظام المارق وذلك عبر توحد كافة القوي الديمقراطية التابعة لمختلف الشعوب والقوميات ومكونات المجتمع الإيراني دون أي تدخل خارجي وبالاعتماد علي كفاح الشعوب المستمر في الداخل ونضالهم وانتفاضاتهم واضراباتهم وكسب التأييد الاقلمي والدولي لها.

نقول رفضا للتدخل الخارجي لأننا لا نريد وقوع  الفوضى وعدم الاستقرار ولذا نصر على التغيير السلمي وبناء دولة غير نووية مسالمة مع بلدان دول المجاورة، وتحويل ايران الى دولة تتعامل بايجابية مع المجتمع الدولي كعضو محب للسلام وفاعل علي الساحة الدولية بما يتماشى مع  مقررات هيئة الأمم المتحدة وجميع أعضاء المجتمع الدولي.

لكننا  جميعنا، بالإضافة إلى المجتمع  الدولي ومن أجل الوصول إلى تحقيق الأهداف الأنفة الذكر بحاجة إلى بديل ديمقراطي يحل محل نظام الجمهورية  الإسلامية، الأمر الذي يحتاج بالمرحلة الأولى إيجاد الوفاق والوحدة العملية لجميع القوى التي تسعى لإزالة هذا النظام.

غير أن العقبات التي تحول دون  تحقيق الوحدة بين قوى المعارضة هو عدم الثقة وعدم معرفة بعضنا البعض وفقدان الانسجام، ناهيك عن التشكيك والتردد وأحيانا  الخوف وعدم الاطلاع على أهداف النضال والغايات.

ولعل النموذج البارز لعدم المعرفة وعدم الاطلاع على برامج وسياسات وأهداف بعضنا البعض، هو أن البعض يعتقد خطئا إننا أو أي قوى مناضلة أخرى تطالب  بهويتها القومية على أنها تسعى إلى الانفصال. وهناك من يردد هذه المقولة سواء بوعي او دون وعي. وهنا أود أن أؤكد لكم إننا في " مجلس القوى الديمقراطية في إيران"  وكافة الأحزاب والتنظيمات الـ 10 الأعضاء في هذا المجلس وكذلك الشخصيات المنضوية في المجلس، بالاضافة الى الاحزاب والمنظمات المنضوية تحت اطار " مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية" وهو ائتلاف واسع يضم 13 تنظيما من مختلف القوميات الايرانية، لا نعمل على أي سياسة انفصالية أنو استقلال الأقاليم القومية، بل هدفنا هو توحيد الشعوب والقوميات وكافة القوى الديمقراطية المحبة للسلام والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان إلى اسقاط نظام ولاية الفقيه وإحلال دولة ديمقراطية فدرالية تعددية.

إن ترويج لخطاب الانفصال وتقسيم البلاد هو من بناة أفكار النظام أو المجاميع العنصرية بهدف بث الفرقة بين قوى المعارضة التي تسعى للإطاحة بالنظام وذلك من أجل الاستمرار بالحكم الشمولي الاستبدادي وإراقة دماء الشعوب.

إن بعض المجاميع القومية المتطرفة والتي تشمل حتى بعض مجاميع اليمين واليسار أيضا للأسف والمبتلية بداء الشوفينية العنصرية، لا تعترف بالحقوق القومية للشعوب غير الفارسية، ويرددون  اتهام الانفصال ضد كل أحزاب وتيارات القوميات، لا بل يتخندقون خلف نظام الملالي الفاشي الطائفي انطلاقا من أوهامهم ونظرتهم الضيقة.

إن التحالفات السياسية التي شكلها أبناء القوميات مع سائر القوى الديمقراطية الايرانية تمخضت عن ائتلاف جديد وشامل تمثل في " مجلس القوى الديمقراطية في إيران "، وتهدف الى الحفاظ على حصول القوميات علي حقوقها وسيادتها في مناطقها وهذا حق طبيعي ومشروع وتكفله كافة القوانين والأعراف الدولية.

نحن لا نعتقد بالشمولية وعلى هذا الأساس إننا على استعداد للجلوس مع كافة القوى والأحزاب والتيارات الايرانية التي تؤمن بإسقاط النظام وحقوق الشعوب على طاولة واحدة وأن نتعاون معهم، وذلك بهدف تأسيس ائتلاف واسع يشمل كافة القوى من أجل إسقاط النظام الإيراني. ومن أجل تحقيق هذا الهدف وبدء الحوارات والتعاون والتنسيق وتوحيد النضال، لا نضع خطوطا حمراء أو شروطا مسبقة، لكننا نعتقد بمبدأ واحد في رأس أولوياتنا وهو أي نظام سياسي يأتي مستقبلا يجب ان يعترف بأن إيران لكل الإيرانيين وهو بلد متنوع قوميا وعرقيا ودينيا وثقافيا ويتعرف بحقوق كافة مكونات المجتمع وعلى رأسها الشعوب غير الفارسية من الأتراك الأذربيجانيين  والأكراد وعرب الأهواز والبلوش والتركمان واللور والطالش و بقية القوميات، صغيرة كانت أم كبيرة.

وصحيح أن أغلب هذه القوميات هي أقلية عددية بالنسبة لسكان البلاد لكنها أغلبية في مناطقها وأقاليمها ولذا يجب أن تدير أمور أقاليمها بنفسها بالاضافة الى المشاركة في الحكومة المركزية بالطبع.

كما يجب الاعتراف بحرية العقيدة والأديان حيث قام النظام الايراني باضطهاد وقمع وتهميش الأقليات الدينية والمذهبية كالمسلمين السنة والمسيحيين واليهود والبهائيين و الزرادشتيين و المندائيين الصابئة وغيرهم ممن يختلفون بالعقيدة مع ايديولوجية ولاية الفقيه المتطرفة. لا يعترف دستور النظام الحاكم بهذه الأقليات والقوميات ولا التعدد الإثني والثقافي في البلاد.

كذلك، قام نظام ولاية الفقيه باستغلال المذهب الشيعي والعنصر الفارسي لفرض هوية وثقافة وتاريخ واحد على حساب القوميات والأديان المتعددة في البلاد وبالتالي همشت كل هذه الشعوب ومارست عليها التمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وبالتالي اضطهاد مزدوج ومضاعف بالنسبة لباقي السكان في إيران. كما روجت خطاب الكراهية والتحقير ضد هذه القوميات والأقليات. أدت كل هذه الممارسات إلى انتشار ظاهرة " الاستلاب الثقافي" بهدف القضاء على هوية هذه الشعوب وثقافاتها وطمس سماتها البارزة بهدف صهرها في بوتقة القومية الغالبة والأيديولوجية الحاكمة.

لكن هذه السياسيات في النهاية أدت الى توحد هذه الشعوب وتكاتفها مع بعضها البعض لإيجاد جبهة للتضامن الديمقراطي للقضاء على التمييز والتهميش والاضطهاد.

أثبت نظام الجمهورية الاسلامية بعد 4 عقود أنه غير قادر على حل أية من الأزمات التي تعصف بالبلاد أو تحقيق أدنى مطالب الشعوب والقوميات والأقليات وكافة مكونات المجتمع الايراني ولا يريد ذلك أساسا، بل يبحث عن استمرار الحكم من خلال بث الفرقة والتشتت بين الناس.

لذا فإن الطريق الأوحد أمام الشعوب المضطهدة في ايران هو التضامن والتكاتف والتوحد حول مشروع شامل بهدف التغيير وبناء مجتمع حر وديمقراطي يحقق العدالة الاجتماعية ويساوي بين الجميع دون النظر إلى العرق او الدين أو المذهب والطائفة والمعتقد وذلك لن يتحقق الا باسف=قاط النظام الطائفي الفاشي وبناء دولة تعددية مسالمة تفصل الدين عن الدولة وهذه حق طبيعي ومشروع لكل المواطنين.

أنا من خلال تجربتي في العمل السياسي وعلى المستويين الايراني  والدولي، وعلى مدى 50 عاما، توصلت الى أن حق تقرير المصير الداخلي للشعوب والذي لا يعني لزوما استقلال الأقاليم وتشكيل دول مستقلة، هو الطريق الأفضل للقضاء على الاستبداد واحتكار السلطة والثروة في مجتمع متعدد القوميات والاعراق والاديان والمذاهب والثقافات.

إن دولة لا مركزية تعددية بإمكانها أن تقضي على إعادة إنتاج الاستبداد والتمييز السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وهيمنة فئة واحدة ونظام تعليمي واحد على مختلف الشعوب والقوميات.

إن مطلب حق تقرير المصير الداخلي في داخل الحدود السياسية الإيرانية المعترف بها دوليا، بهدف القضاء على ديكتاتورية الدولة المركزية وتوزيع السلطات والثروة علي الاقاليم، يلقى قبولا دوليا كحل يسعى للقضاء على أزمات إيران كبلد متعدد الشعوب والقوميات وهو حل اعتمدته الأمم المتحدة في مختلف الدول ذات التنوع القومي مثل الهند وإندونيسيا وماليزيا وجنوب أفريقيا وكندا وغيرها.


ولا يعني حق تقرير المصير الداخلي الانفصال أو تقسيم البلاد بل أن النظام وأعوانه هو من يروج لهذه الفكرة بهدف تبرير قمع أية أصوات تطالب بحقوق الشعوب والقوميات والاقليات والعدالة الاجتماعية والقضاء على التمييز و الاستبداد واحتكار السلطة والثروة وعلى رأسهم حركات الشعوب غير الفارسية.

إن النظام اللامركزي لا يحل قضية صراع الهوية فحسب، بل سيمنع إعادة تشكيل الحكم المستبد والديكتاتوري سواد من النوع الشاهنشاهي أو ولاية الفقيه.

وبالطبع هذا يقودنا إلى الحديث لمرحلة ما بعد اسقاط النظام، حيث يجب أن يتم تشكيل مجلس للمؤسسين لمرحلة انتقالية ديمقراطية تشترك فيها جميع الأحزاب والتيارات والمنظمات السياسية والمدنية من مختلف الشعوب والقوميات ومكونات المجتمع الايراني لاعداد دستور جديد لشكل النظام السياسي الجديد وبعدها إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

و ما يقال أن المعارضة لديها خلافات كبيرة، هذا صحيح، لكن مع هذا كل المعارضات في مختلف البلدان لديها اختلافات في الرؤى والتوجهات والأساليب، لكن يمكن الاتفاق على خطاب مرحلي من أجل التغيير والالتفاف حول برنامج عمل شامل يوحد جهودها نحو الهدف الأسمى.

وختاما يجب  أن أنوه الى أن الشعب العربي الأهوازي في ايران الذي يخضع لأسوأ أنواع الاضطهاد والتهميش والعنصرية منذ 4 عقود ويعاني اليوم من من القمع الشديد وسياسات التطهير العرقي بدءا من الفقر والحرمان وحتى أبشع انواع انتهاكات حقوق الانسان وغصب الأراضي وتدهور أوضاعه المعيشية، لكنه لا يزال في الصوف الأمامية للنضال والكفاح من أجل استرجاع حقوقه وكرامته وهويته وأن أبناءه مستعدون أكثر من أي وقت مضى للمشاركة في اسقاط نظام ولاية الفقيه الدموي ونيل حريته وحقوقه و حاكميته.

كولونيا ، ألمانيا 14 يوليو / تموز 2018