البند فی الأدب العربي الأهوازي تجربة شعرية أم صناعة لفظية؟

 

 

 

 

 

 

البند فی الأدب العربي الأهوازي

 

تجربة شعرية أم صناعة لفظية؟

 

 د. جمال نصّاري

 

في البداية من الضروري أن نشير إلی الخلفية البحثية للبند وكيفيّة تناول هذا الموضوع عند الباحثين العرب.

ما هو مجهول نقاد العرب في البند؟

هل هو مجرد مرحلة تأسيسية أم مرحلة إبداعية رؤيوية؟

      بناءاً علی هذه التساؤلات سنراجعُ أكثر الأقوال شيوعاً في البند. اعتمدت نازك الملائكة في شرحها للبند علی العروض العربي وكيفيّة هندسة التفعيلات وأهمية الوزن في كينونة هذا النمط الأدبي معاتبةً بقية الأقلام العروضية بسبب تجاهلها للبند؛ وانهت بذلك إلی أن البند يعتمدُ علی وزنين قائلةً «يبدو لي أن القاعدة العروضية للبند هي أنه شعر حرّ تتنوع أطوال اشطره ويرتكز إلی دائرة (المجتلب) مستعملاً منها الرمل و الهزج معاً».(الملائكة، 2014، ص 202)

       لم يضف عبدالرزاق الهلالي شرحاً مقنعاً ولا دليلاً راسخاً لسؤالٍ أتی به في مقاله « البند في الأدب العراقي، وهو «هل البند شعر؟» اعتمد عبدالرزاق الهلالي في إجابته علی آراء الآخرين حائراً بين مجموعة من التعريفات التالية: البند «هو حلقة وسطی بين الشعر و النثر» (الهلالي، 2004، ص76). أو يراه البعض «ضرباً من الكلام المسجع» (المصدر نفسه)

         و الأغرب من ذلك إيمان بعض الباحثين بأن البند مهَّد لقصيدة النثر. يقول الدكتور عدنان غزي: «هو كان تمهيداً للقصيدة النثرية وفي الواقع هو نابعٌ عن فكرة تزواج بين الشعر والنثر.»(غزي، 1434، ص241) من الملفت للنظر إن الدكتور عدنان غزي أحسَّ بعدم شعرية البند لكنه لم يمتلك دليلاً علمياً حديثاً بل إكتفی بجملة نقدية كلاسيكية وهي «خطابٌ نابعٌ من العقل ولم يكن شعراً بل و نثرٌ، رغم أنه موزون.»(المصدرنفسه). أما الكاتب الأهوازي الآخر الدكتور عباس العباسي الطائي لم يشكك في آراء نازك الملائكة وأعطی تفسيراً قريباً إليها إذ لم نقل متأثراً منها. هو يقول:«من أهم ما تجدد الأشارة به في البند وتقاربه مع الشعر الحر، أن البند موزون محكم علی وزنين من الأوزان العروضية، هما الرمل و الهزج، والروعة فيهذا البند، هي التداخل العجيب بين وزنين علی أساس الدائرة التي ينتميان إليها.» (العباسي الطائي، 2014، ص 201)

الملفت للنظر الرؤية المغايرة لآراء نازك الملائكة ومن أهم هذه الرؤی ما أتی به مصطفی جمال الدين في مقاله «البند والشعر الحر» معتمداً علی ثقافته العروضية قائلاً: «فليس صحيحاً ما اعتمدته المؤلفة من الرأي المشهور بأن البند يتألف من الهزج وحده، لأنه مادام يعتمدُ علی» التفعيلة المتكررة أساساً له، فيمكن أن يجري من البحور ذات التفعيلة المتكررة، وهو في ذلك كالشعر الحر الا أن الموجود بين أيدينا منه و ذلك راجع إلي ما بين عصري البند والشعر الحر من فروق – ثلاثة أنواع فقط:

آ: نوع من الرمل الصافي، الذي لم تخالطه تفعيلات الهزج و يوجد منه مائة و خمسون بنداً (للسيد علي باليل من شعراء الأهواز في العصر المشعشعي ) في الجزء الثالث من (أنيس الخاطر) للشيخ يوسف البحراني.

ب: وهناك نوع من الهزج الصافي الذي لم تخالطه تفعيلات الرمل وقد نظم فيه الكثيرون أمثال السيد نصرالله الحائري وهو أقدم من ابن الخلفة. والشيخ عبدالحسين صادق والسيد محمد القزويني وغيرهم ممن توجد بنودهم في مجموعة الأستاذ الدجيلي.

ج: وهناك نوع ثالث يتذبذب بين الرمل والهزج. وهذا الذي وقضت عليه السيدة نازك الملائكة وحبسته هو البند دون سواه. والحقيقة أن تذبذب هذا النوع بين الوزنين واضطرابه ناشئ من: 1- التشابه بين تفعيلتي الهزج والرمل. 2- أن أكثر هولاء الذين تذبذبت بنودهم بين الوزنين، هم قليلو الممارسة لفنون الشعر .3- يضاف إلی ذلك أن الفترة التي  نشأ فيها البند، فترة خمود الحركة الأدبية. (جمال الدين، ٢٠٠٤، صص 123-124)

فضلاً عن أهمية الوزن في البند أكّد الدكتور عباس مصطفی الصالحي في دراسته «بنية البند وأصوله الفنية» علی أغراض البند وأنواعه قائلاً: «ثمة بنود في المدح وكذلك في الأدب العرفاني والرثا والهجاء والأخوانيات "المراسلات والتندر والتقريظ" والسياسة "يقظة العرب». (مصطفی الصالحي، ١٩٩٥، ص 42)

مشی الدكتور محمد حسن علي مجيد في مقالة «شعر البند من فنون الشعر العربي في العراق» علی خطی الآخرين وحدّد الموسيقی بالوزن الشعري وبدأ يناقش آراء نازك الملائكة و آراءالأستاذ الدجيلي قائلاً: «إنه ينظمُ علی الهزج غالباً، ثم الرمل، والقليل منه علی الرجز مثلما نجد ذلك واضحاً في الكثير من أمثلة الموجودة، وإنه ينظم علی واحد من هذه البحور، وليس علی الهزج وحده أو علی بحرين متداخلين وأن جاد منه كذلك أنما هو خلط أو خطأ من الشاعر». (حسن علی مجيد، 1415، ص40)

في مراجعتنا لآراء هولاء الباحثين نري جل اهتمامهم التطرق إلی الوزن الشعري والأغراض الشعرية؛ وهذان عاملان لم يشكلا جوهر التجربة الشعرية في الأدب القديم والحديث. من هذا المنطلق وحسب رأي المتواضع مازال السئوال مطروحاً هل البند تجربة شعرية أم صناعة لفظية؟

سأتناول هذا المجهولُ من عدة جوانب أراها ضرورية لكل تجربة إبداعية.

 

اولاً: الذات الشاعرة واللاشعور:

الذات الشاعرة هي عالم الباطن والرؤية المقترنة بالرؤيا هي مرحلة بعيدة عن الخارج الأيدلوجي الجازم قريبة من الداخل المجهول والمتحول دوماً طاغية علی المرجعيات التأريخية والدينية. يقول عبدالواسع الحميري «هي ذات وجودية، عرضية، أو آنية، تمثل وضع الشاعر الآني (الآن- هنا) في فضاء الشعر أي وقد أخذ، الآن-هنا هي التجربة بيواجه بإمكاناته الشعريةوضعَه خارج الشعر، يفكك بإمكانات اللغة- الإبداع الأنطولوجي. في العالم الواقعي أو الموضوعي، يعيد صياغة العالم، وصياغة علاقته بالعالم علی نحو يحقّق الولادة الممكنة له وللعالم. ولذلك فهذه الذات تتطابق إلي حد ما مع "الأنا الشعرية" أوسع أنا الكاتب الضمني.»(الحميري، 1999، ص 14)

هذه الذات المتحولة الآنية عندما تجمعٌ المتناقضات والمكتوبات من ألم الإنسان وميول البشر نحو اللحظة الصادمة هي تقترب من منطقة اللاشعور التي تعتمدُ علی الذاكرة والرغبات الجنسية. «فمعظم هذه التجارب رغبات لم تتحقق أو مخاوف هزّت كيان النفس، أو آمال لم يسمع لها نظام المجتمع، وقيود الحياة الإجتماعية بالتحقق، فانحدرت إلي أعماق النفس، ولم يعد من الممكن استدعاؤها إلي منطقة الشعور إلا بوسائل غيرعادية، من هذه الوسائل أحلام النوم، التنويم المغناطيسي، التحليل النفسي، حالات الغيبوبة والذهول، الإضطرابات العصبية والخيل. وفي هذه الحالات الشاذة تخرج الرغبات المكبوتة والأفكار الذهنية السارية في منطقة اللاشعور إلي منطقة الشعور وتنحل العقدة النفسية.»(عزيز ماضي، 2005، صص 113-114) لكن عند قراءتنا للبند نری الشعور هو المسيطر علی اللاشعور وَكأنما نحن أمام حدثٍ منطقيٍ بدلاً من حدثٍ شعري. مثلاً نری ابي المعتوق الحويزي يستثمر شعوره ووعيه الإيدلوجي ليكون ناصحاً وواعظاً لقراءه. هو يقول:

أيها الراقد في الظلمة. نبّه طرف الفكرة. من رقدة ذي الغفلة.وانظر أثر القدرة.( زودني الباحث عارف عبدالله بمجموعة من البنود من مكتبته)

أو في بند آخر يقولُ:

باعث الرسل اولي العزم  إلی العرب مع العجم ومن الطهر ما أحدث الكفر. من الرجس عن اعلّة بالطهر أبي القاسم ذي الرأفة والرقة والقسوة والقوة. ( المصدر نفسه )

وَقعَ أكثر شعراء البند في فخ الشعور. هذا ما نراه في بند ابن الخلفة في مدح الامامين الكاظمين.

هل تعلم أم لا أن للحب للذاذات. وقد يعذر لايعذل من فيه غراما و جوی مات، فذا مذهب ارباب الكمالات فدع عنك من اللوم زخاريف الحكايات، فكم قد هذب الحب بليدا، فغدا في مسلك الآداب والفضل رشيدا.( الهلالي، 2004، ص78)

عند استعمالهم للعلوم الصرفية والنحوية والبلاغية نری صفة الشعور في أعلی مستوياتها ويقع اللاشعور في أدنی مستوياته. يقولُ سيد علي ابن باليل الحسيني الحزائري الدورقي:

إن يكن اعملت طرف الحب بالقلب كاعمالك حرف الجزم بالمعتل بالآخرين مستقبل الفعل فقد عانيت بالعين قلوباً نحوه تحذف حذف الواو بين الياء والكسرة للثقل أو الاولي من الحرفين بالحذف سكونا ثم شاهدت بقلبي لحظة يقطع بالأهداب فولاذا وصخرا. ( زودني الباحث عارف عبدالله بمجموعة من البنود من مكتبته)

 

ثانياً؛ موجودٌ أو سيوجدُ

الكتابة الإبداعية/ الشعرية هي كتابة ولادةٍ وخلقٍ وليست كتابةً وصفيةً  لحالةٍ موجودةٍ سلفاً. هي صناعة عالمٍ و ليست صورةً فوتوغرافيةً لعالمٍ موجودٍ. هي تغيير العالم ولملمته من جديد ليست انعكاساً لصورةٍ مجتمعيةٍ أو عقائديةٍ. هي نفسٌ مجازيٌ وتصويريٌ ذات طابع جمالي وليست واقعاً حقيقياً معلوم الدلالة ذات طابع تعليمي. لهذا السبب عند قراءتنا للبند نری أنفسنا أمام حالة انعكاسية وفوتوغرافية لما هو موجودٌ؛ لما هو مخلوقٌ؛ لما هو مدَّبرٌ سلفاً.

يقول الشاعر الأهوازي المعروف ،ابومعتوق الحويزي في وصف الإمام علی علي بن ابي طالب:

مغاور بني غالب مولاي علي بن ابي طالب. محيي سنن الدين. ابي الغر الميامين. شموس الفضل و العترة اقطاب سماء الرتبة. اقمار دجی الأمة.( المصدر نفسه)

أما علي ابن باليل الحسيني الجزائري الدورقي يری العابد علی الشكل التالي:

قيد المطلق من حبك بالقلب وقفه وقفة العابد بالبيت علی محراب ذاك الصدغ واسأل ربه العفو مع التوبة عن قصدك. ( المصدر نفسه)

 

 

 ثالثاً: تفسيرٌ أو تأويلٌ

يعتمدُ تفسير النص الأدبي علی دلالة واحدة لكن يؤمن تأويل النص بدلالات متعددة ومختلفة. من هذا المنطلق نری النقد الأدبي الحديث يميلُ أكثر إلی تأويل النص بدلاً من تفسيره. مراجعتنا لآراء الهرمنوطقيين وعلی وجه التحديد ريكور نری متعةً في تأويل النص تفوقُ خيال الإنسان. لأن النظرية التأويلية للنص لا تبحث عن نيت المؤلف الواحدة بل تبحثُ عن نوايا المؤلف المتعددة في موضوعٍ واحدٍ و لاتبحثُ عن سطح المرآة بل تبحثُ عن أعماق المرآة.

تُعطي النظرية التأويلية مساحةً كافيةً للقارئ المستثمر ليكون مشاركاً مؤلفاً ومساهماً فعالاً؛ لكن النظرية التفسيريه للنص لاتهتم كثيراً بالقارئ وتعطي شخصية خارقة للمؤلف. فأكثر شعراء البند هم من اتباع النظرية التفسيرية الذين يعيشون حياة الأبطال في النص. الأبطال الذين يسدون باب التأويل والدلالات المتعددة و يفرضون دلالتهم الماوراء طبيعية علی جميع القراء.

يقول علي ابن باليل الحسيني الجزائري الدورقي:

ودعا القلب ليدعاه فلباه مجيب القلب للطاعة منصوباً مضافاً لأخ الوجد فتی الحب علی حد الندا من نصبه الإسم مضافاً يا رعی الله خليل القلب ما أعرفه بالنحو علما وغدا «فراء» لحظيه سفرا ينصب القلب علی التحذير والإغراء تحذيراً واغرا. ( المصدر نفسه)

أو ابومعتوق الحويزي يقول في مدحة لأحد حكام الدولة المشعشعية :

مِلكٌ بل مَلَكٌ كونه الله من النور. فولاه علي الخلق وناداهُ رفعناك علی الطور «همامٌ محت الظُّلَم مواضيهِ سوی ظلم جفون المقل الحور. وهدَّ من اياديهِ الينا ابنية التبر فشيدنَ معاليه علی اجنحة النسر. (المصدر نفسه)

بعد استخلاص آراء النقاد توصلنا إلی هذه النتيجة بأنهم ينظرون إلی البند كمرحلة تأسيسية للشعر الحر و من رآه ابداعاً فهو أخذ تحليل البند علی أسس تقليدية في النقد الأدبي واهتم كثيراً بالوزن الشعري متجاهلاً بقية الخصائص الإبداعية. لهذا السبب تقولُ سلمی خضراء الجيوسي في كتابها "الإتجاهات والحركات في العر العربي الحديث" «لا القافية ولا الوزن يمكن أن تصنع شعراً من هذه الأشكال النثرية. يقوم هذا الحكم علی الأغلبية الساحقة من هذه البنود، غير أن ذلك لا يمنع وجود أديب كان بوسعه إنتاج بنود من نوعية عالية. لكن هذه الإستثناءات لايمكن أن تلغي الحقيقة الساطعة وهي أن البنود تعاني العيوب نفسها الخاصة بالنثر المسجوع الذي كان يكتب في تلك الأيام وتشترك معه بالمقاربة نفسها وحتی بالهدف نفسه.»(خضراء الجيوسي، 2007، صص 594-595)

تشككُ ايضاً سلمی خضراء الجيوسي بإطلاع شعراء التفعيلة المحدثين علی هذا النمط الأدبي قائلةً «الواقع أن الاطلاع علی هذه البنود كان يمكن أن يوفّر كثيراً من الجهد علی شعراء التجريب قبل أواخر الأربعينات. ولكن من الصعوبة أن نعرف إلي أي حد كان البند معروفاً لدي اولئك الشعراء العراقيين الذي نجحوا في آخر المطاف بإرساء قواعد الشعر الحر كحركة فنية ناجحة.»(المصدر نفسه، 596)

فضلاً عن ما أشارت إليه الناقدة سلمی خضراء الجيوسي من هشاشة في البند وإفتقاره إلی التوتر العاطفي سلطتُ الضوء علی ثلاث نظريات مهمة  في الإبداع الشعري التي يفتقرُ إليها البند عامةً.

 

 

المصادر

 

1-جمال الدين ، مصطفى : مجلة الاقلام ،السنة الاولى، الجزء السادس، رمضان  ٢٠٠٤.

2-حسن علی مجيد، محمد:  مجلة المورد، المجلد الثاني و العشرون، العدد الثاني ،كلية آداب، جامعة بغداد،1415

3-الحميري، عبدالواسع: الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية، الطبعة الأولی، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر و التوزيع، بيروت، 1999.

4-خضراء الجيوسي، سلمی: الاتجاهات و الحركات في الشعر العربي الحديث، الطبعة الثانية، بيروت،مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.

5-العباسي الطائي، عباس: الأدب المقارن، بيروت،الدار العربية للموسوعات، 2014.

6-عزيز ماضي، شکري: في نظرية الأدب، بيروت، الموسسة العربية للدراسات و النشر، 2005.

7-الغزي، عدنان: موسوعة الشعر العربي، اهواز،كتيبه سبز، 1434.

8-مصطفى الصالحي، عباس: مجلة المورد، العدد ٩٧، سنة ١٩٩٥.

9-الملائكة، نازك: قضايا الشعر المعاصر، الطبعة الخامسة، بيروت، دار العلم للملايين، 2014.

10-الهلالي ،عبدالرزاق: مجلة الاقلام ،السنه الاولى ، جمادي الثاني،  الجزء الثالث، ٢٠٠٤.