التيارات الإيرانية المعاصرة موضع الإنفصال و محل التلاقي








 

 

التيارات الإيرانية المعاصرة

موضع الإنفصال و محل التلاقي

 

أحمد عبدالصمد

 

لقد سأل قائد الجيش الإيراني و ولي العهد القاجاري الأمير عباس ميرزا بعد سلسلة هزائم متتالية من الجيش الروسي فی بدایة القرن التاسع عشر سؤالا هجس كل من كتب عن تاريخ إيران في ما بعد بدافع : «چه شد كه ما عقب مانده­ايم؟» [ماهو السبب في تخلفنا؟].لقد أثير هذا السؤال بعد مواجهة إيران مع الغرب عسكريا و فكريا و حضاريا بصفة عامة؛ و تجاهه بالتحديد ظهرت ثلاثة تيارت مختلفة التوجه متحدة الغاية: التيار القومي الإسلامي، التيار القومي الشوفيني، التيار القومي ذات التوجه الغربي.

التيار القومي الإسلامي (الشيعي):

 كانت البداية التي بزغت فيها شمس رجالات الدين الشيعة، من دون شك، هي نشوء الدولة الصفوية في ظاهر أمرها علي أساس عَقَدي إذ تولي فيها مراجع التقليد الدور التقليدي لرجال الدين الذي هو عبارة عن تسويق السلطة القائمة أو الناشئة و شرعنتها. بعد هذا التاريخ أصبحت السلطة في إيران بصفة عامة غير قادرة علي الاستغناء من جهاز الدين و رجالاته. هذه الحالة تتالت علي ماهي عليه، بعلوها و خبوها، حتي أشعلت وقعة بسيطة (العصيان العام لأجل إعتقال تاجر من سوقة طهران) شرارة إنتفاضة أو ثورة المشروطة (الملكية الدستورية)؛ الأمر الذي شكل اللحظة الذروة في نشاط كافة الرجال و عطاء كافة التيارات المذكورة.

و التيار الإسلامي هذا، أبرز قناة فكر يعمل وفقها، كماهو معروف هي آلية تقدم النقل و الوحي علي العقل، حيث مدرك السماء أوثق من مدرك العقل الأرضي و هديه واجب الإتباع ضامن السعادة القصوي و التحسين التام.

بهذا التوجه العام المطاط كان التيار الشيعي في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ إيران المعاصر حاضرا بقوة في الأحداث و المجريات. لكن وحدة الوجهة و الجهاز المعرفي لم يجعل من التيار هذا تيارا موحدا، بل كان منقسما إلي معسكرين متنافرين: التيار التقليدي و علي رأسه الشيخ فصل الله نوري (جريان مشروعه خواه) و التيار التوفيقي و علي رأسه العلامة محمد حسين نائيني(جريان مشروطه خواه).

كان الشيخ نوري يري أن الفكر الشيعي بصفة عامة لا يتبني النظرية القائلة بإمكانية تحديد السلطة من منطلق الشعب؛ إذ السلطة لله و أي دور فيها للشعب ينال من الساحة الإلهية و يتدخل فيها من علي غير وجه حق. أما في عصر الغيبة و قد غاب الإمام صاحب السلطة تلك ،عن الأنظار فإن السلطة المقبولة من وجهة نظر الشرع هي تلك السلطة التي يكون فيها الفقية و السلطان متآزران.

بيان ذلك حسب ما يقول نوري هو أن السلطة الدينية و ثغرها الشرعيات (الأمور الشرعية)- المتفق عليها في الفقه الشيعي- هي للفقيه جامع شروط الإجتهاد، و السلطة السياسية و ثغرها ما هو متفق عليه عرفا من إنتظام حال العباد و تيسير شؤن البلاد و بسط الأمن ...الخ، هي للسلطان مستوفي شروط السلطة. الفقيه منصوب من الشرع و السلطان ليس في كيفية انتصابه كلام و إنما يدور القول في ما يجب أن تتوفر فيه من صفات.

هذا النوع من نظام الحكم هو خير نظام يجعل من سلطان القاجار سلطانا شرعيا يستطيع من جهة استرجاع عظمة إيران و من جهة أخري هو ما يتفق مع الفقه الشيعي و الزامات قواعد تفقهه و دلالة نصوصه.

تموضع مقابل هذا، كما سلف القول، الفكر القومي الشيعي التوفيقي المتأثر بنجاح الغرب و الذي كان يمثله نائيني إذ كان يعتقد، من نفس المنطلق و النصوص إعتقادا يغاير نظرة نوري و يختلف معها في الدفاع عن الملكية الدستورية و ضرورة استحكامها للخروج من الإنحطاط الذي تعانيه إيران جراء فساد سلطانها في العهد القاجاري.

كان يعتقد نائيني أن تطور الغرب و تفوقه كان ممكنا أن يحدث لهم لو إتبعوا الإسلام الشيعي الحقيقي في لُبه و جوهره؛ بيد أن ابتعادهم عنه و تزييفهم له هو ما أدي إلي هذا الإنحطاط الذي لا مزيد عليه. نعم لقد بلغ الغرب إزدهارا لا مثيل له، إلا أن سر هذا الإزدهار هو صلاح نظام الحكم فيه. ذلك أن صلاح الحكم يؤدي إلي مجتمع و حضارة تسود فيها العدل و حكمها قائم علی أساس الشوری.

النظام السياسي الصالح إذن هو ما يفضي إلی صلاح حال العباد و البلاد و إلی بسط المعدلة و تحريها و إلی تعميم الخير؛ و هذا الصلاح المطلوب العام لم يكن ليتم للغرب لو لم ينقروا عن ما في الإسلام و توظيفهم له: و المقصود من هذا هو العمل بمبداء الشوري لتسير شؤن الحكم المسمي عند الغرب ملكية دستورية. بناء علي هذا فإذ نوصي بالملكية الدستورية مبداء للحكم فإن هذا لا يعني إلا إنا وظفنا نفس «بضاعتنا التي ردت إلينا»، حسب ما كان يردد و يقول.

الملكية الدستورية إذن بضاعة إسلامية محضة ردت إلي أهلها بعد طول إهمالها و تركها، إذ هي ليست سوي مبداء الشوري الموجود في النصوص المشرعة. و بناء علي هذا فإن من يقول بزندقة هذه الأفكار و تعارضها مع الشرع الشيعي(=الشيخ نوري) ليس غير فاهم الإسلام فحسب بل هو متعاون مع السلطة القاجارية الفاسدة بغية مصالحه الضيقة الآتية علی حساب الشعب المظلوم و كافر(=كاتم) لروح الشرع و هديه.

إن تحكيم  نظام الحكم هذا في إيران و العمل علي إرساءه سيخرج الإيراني من ظلمات الإنحطاط إلی نور التفوق و العظمة و سيطوي صحيفة سوداء من نظام حكم فَقَدَ أراض شاسعة من أراضي الدولة الإيرانية نتيجة ترهله و ضعفه و خيانته.

إن هذه المنافحة المستميتة من جانب هذا التيار الذي كان يمثله نائيني جعله يقترب من التيار القومي و اولئكم القوميون الذين لم يشهروا العدواة للإسلام  و إن ابطنوا الشنآن له من أمثال ميرزا ملكم خان و غيره. كما عمل من جهة أخري علي تقريب التيار الذي كان يمثله نوري من السلطة و من التيار الرجعي و سلاطين الحكام. و هذا خير دليل علی أن التصانيف الفكرية في نهاية المطاف تذوي كلما وطأت ساحة الواقع و مكثت فيه.

 

التيار القومي:

 

 

صحيح أن ذروة العطاء لهذا التيار علی صعيدي الفكر و العمل هي الفترة التي سبقت تسلم الحكم بيدي رضاشاه إلا أن نواة هذا الفكر تأطرت في عصر المشروطة و تولدت قبله بكثير. و في هذا الصدد لابد من الإقرار بأن الإنطلاق من منطلق القوم هو قديم قدم البشر و مشروع بمشروعية تواجد البشر حيث أن النزعة القومية نزعة مشخِصة و ضرورية لشد جماعة ما و ديمومة وجودها و استمرار طابعها المتمايز بالحياة. بيد أن القومية عند هذا التيار اتخذت منحا متطرفا سيتم إيضاحة بإقتضاب مع ما يتناسب و المقام.

كان التيار هذا يستند في تعرفه علی العالم إلی العقل البشري و بالتالي آلية و قناة إكتساب المعرفة لديه هي ما يتوصل إليه هذا العقل من نتائج. و كان آخر ما وصل إلی هذا التيار من نتائج في المعرفة هو الإستناد إلی وضعية تكون هي الفيصل.

إن أكثر ما كان يتميز به هذا التيار هو طريقته العدائية تجاه الآخر؛ فكل ما لا يمت إلی الذات الإيرانية، آخر يجب الإبتعاد منه. لقد عرّف هذا التيار الفرد الإيراني علی أساس بيولوجي. فالفرد الإيراني لديه، هو الكائن البشري الذي تسري في شرايينه الدماء الآريه، أي الجين الآري. فالإيراني بهذا الإعتبار هو الآري الجنس و العرق. العرق إذن هو الشرط علی وصف الفرد بالإيراني و إنتمائه للجماعة و إن نطق بغير لغتهم، مثل الألمان (و من هنا ذلك التعاطف مع الألمان في الحرب الكونية الثانية االذي إتسم فيه رضاشاه و أهل مملكته و رعاياها).

و بالإستناد إلی آلته المعرفية أخذ هذا التيار مواجهة خصمه اللدود و هو النقل؛ إلي أن أدي به هذا إلي معادات شديدة للإسلام و حامليه؛ فصار العنصر العربي هو المنهل- حسب زعمهم- الذي استقت كل مظاهر الإنحطاط قوامها و بلغة استمرارها منه. و نظرا للضعف النظري الذي كان يعاني منه هذا التيار و استنادا إلي شعاراته المعجبة أصبح يتقرب من فهوم العوام و يوثر عليها حتي صار الحال أن تترد أفكار هذا التيار و تنتشر علي يدي الكافة من مختلف المشارب و المنازع و أن ليس من إيراني إلا و له حض من الكراهية هذه بمقدار إتساع ثقافته و تفتح عقله. إلا أن هذه الكراهية في نهاية المطاف رسبت في اللاشعور الجمعي الإيراني تمارس هناك نوع من التوجيه و التأثير.

و في هذا التيار درجات و مراتب قد تصعب درج كافة أصحاب هذا الفكر في تصنيف واحد، إلا أننا لا نعدو الحق إن قلنا أن من أبرز الممثلين لهذا التيار فتحعلي آخوند زاده و ميرزا آقاخان كرماني.

كان فتحعلي آخوند زاده تركيا ذا جنسية روسية يصف حاله أنه -بالرغم من ظاهر الأمر حيث يعد تركيا و يعرف- إيراني العرق هاجر أجداده من مدينة رشت كما يقول و كان مهجوسا بإستيقاظ إيران و إعادة عظمتها. لقد كان يؤمن أن تسري الإنحطاط في إيران بداء مع إنتصار العنصر العربي بدينه الجديد علي الإمبراطورية الساسانية إنتصارا وطدت معه دعائم الدين الجديد. إن بسط سلطان هذا الدين جعل الغلبة للجانب العربي و بما أن الإنحطاط صاحَبَ هذا الدين فلا سبيل إلي تجاوزه إلا إطراحه و القطيعة معه. الد آخر لآخوندوف (وفق تسميته الروسية) هو العربي المسلم، كما سلف، و لذلك نراه ينعت العرب بأقبح النعوت و يعدهم السبب الرئيس في فساد إيران و إنحطاطها. و من هنا جاءت دعوته إلي القضاء علي ما تركته الحضارة العربية الإسلامية من آثار علي الإيرانيين  من لغة و دين و ملبس.

لقد كان أول من دعي إلي ضرورة تغيير الحروف العربية التي تكتب بها الفارسية و بضرورة إزالة الدين الإسلامي من كافة الحياة الإجتماعية و الثقافية و السياسية. و في هذا يقول إن الخلل ليس بالضرورة من الدين الإسلامي ذاته بل الخلل كل الخلل من أن الدين ذاك لا يرتبط  بالروح الإيرانية و أجنبيا منها. هذا التوجه بالتحديد هو ما يفسر تسامح آخوندوف مع البابية و الزرادشتيه حيث كان يراهما أكثر موآمة من الإسلام مع الروح الإيرانية الآرية.

وفق الروءية هذه سبب إزدراء إيران و و وصولها هذا الانحطاط هو إبتعادها عن روحها و ذاتها، و عليه: فإن إيران و الإيراني كلما انتكص إلي ذاته و عاد إلي ماضيه كلما زاد القا و شعاعا. أما هذه الذات المطلوبة علي الصعيد الهووي فخير تجلي لها هو عهد إيران ما قبل الإسلام  بصفة عامة.

أما في الجانب السياسي فإن نظام الحكم المطلوب بتصور آخوندوف هو ذاك النظام الذي يكون الشعب فيه مصدر التشريع و الرقيب اليقظ. و من هذه النقطة بالذات يبتدئ استقاء أفكاره و روءيته من الحضارة الغربية و منتجاتها من دون أن نوضح التفاصيل.

ان الوصول الي الغاية اذن هو الرائد الذي كان يهدي آخوندوف في التقاطه المعرفة و استجماعها من مناهل مختلفة و متباينة.

إلي جانب هذا الرجل يوضع ميرزا آقاخان كرماني الذي يعد من كبار هذا التيار القومي المتطرف. للميرزا هذا خطابات يشرح فيها افكاره للجماهير ينزل معها و بها الي حضيض السب و الافكار الموهومة.

يقول في احدي هذه الخطابات ان استيلا العرب علي ايران لم يكن انتصارا عسكريا فحسب و انما استمرار هذا الاستيلا اثر حتي علي تشويه جمال الوجه الايراني و الجسم الايراني و اعتاض طول قوامهم و خضار عيونهم و بياض بشرتهم بما كان في العرب من قبح في الوجوه و قصر في القوام و الخلق. و في مكان آخر في هذه الخطب يقول ان الضرر الناجم عن سيطرة اللغة و الحرف العربي في الكتابة لاعظم بكثير من الاضرار التي خلفها غزو جنكيز خان.

العداوة مع العرب، الضدية مع الدين، الرجوع الي الذات الايرانية الآرية، ضرورة اصلاح النظام السياسي و حذو خذو الغرب هي العناوين الرابطة لافكار كرماني؛ و لأنا اشارنا الى هذه الامور بشكل خاطف في ايضاح فكر آخوندوف فلا نشير هنا اليها من وجهة نظر كرماني اذ الاختلاف فيها ليس بالذي يذكر؛ و نعرج بدل ذلك الي مسالة هامة لابد من الاشارة اليها و هي ان الدعوة الي الرجوع الي العهد الايراني ما قبل الاسلام صدم المفكرين هولاء انفسهم اذ في ذلك الماضي ليس ما يوجد قابلا البناء عليه في الجوانب السياسية و الاجتماعية و السياسية الخ بناء رصينا معاصرا قابلا للحياة المترقية. من اجل هذا بالتحديد فان ما ينقص الفرس الآريين في بناء حضارتهم المزعومة استقي من الغرب و ما لديه، و صار الغرب مخزن الحلول و مصدرها. و من النافل القول ان هذا التوجه يتواجد حتی في اواسط التيار الديني خاصة التيار التوفيقي- النائيني- الذي عبثا حاول ان يبرهن علي ان المشروطة و الملكية الدستورية ماهي الا بضاعتنا ردت الينا و ذلك ان من يعرف الفقه الشيعي و لو من بعيد يري بعد هذا النفس مفواز من الفكر الشيعي في لبه و جوهره؛ الفكر القائم علي اتصال الارض و السما في كل الجوانب اتصال لا يكاد ينقطع.

اذن فلقد تأرجح التيار القومي الشوفيني بين التاكيد علي نقاوة الذات و العرق الايراني و ضرورة الالتجا اليه و بين التماس الحلول من الغرب جراء ضعف هذه الذات و ماضيها لمؤازرة الفكر في بناءه الحاضر و المستقبل.

القوميون الميالون للغرب:

يعود نشوء هذا التيار في ايران الي مواجهة الايرانيين مع الغرب منذ ارسال طلاب مدرسة الفنون في عهد «أميركبير» الي البلدان الاوربيه؛ الا ان ذروة هذا التيار فهي تجاذبات عهد المشروطة و نزاعاتها الفكرية و السياسية كما هو الحال عند سائر التيارات.

لقد كان هذا التيار يدعو الي الاستغراب كخير وسيلة لبلوغ المنشود و تجاوز الانحطاط الراهن الذي يعاني منه ايران. و في الدعوة هذه بين رجال هذا التيار من توسط و من هو غالي. و عن البيان غني ان نشرح ان اصحاب هذه الدعوة استخدموا نفس القنوات و الآليات الغربية لحصول المعرفة و استخدامها.

لقد كان ميرزا ملكم خان و سيد حسين تقي زاده ابرز وجوه هولاء القوم.

كان ميرزا ملكم خان الارمني الي جانب سلوكه النظري فعالا سياسيا و صحفيا موثرا و كان ممن قارع الملكية بشارسة تارة و هادنها بسفور تارة أخري. حسب معتقد ملكم خان فانه اذا ما اردنا اللحاق بركب التطور  العالمي فانه لابد ان نترك جانبا عظيما من السنه( المسماه عندنا تراثا) و نعتاض بها المنجزات الغربية في شتي الجوانب السياسية و الاجتماعية و الثاقفية و الدينية و الخ.

ابرز ما يميز ملكم، من زاوية نظرته الي الدين الاسلامي و العنصر العربي حامل لوائه، علي اقرانه من الفكرين في هذا العهد هو ان دعوته هذه الي الترقي و حذو منحي الغرب لم تجره الي معاداة الدين فضلا عن رجالاته مثلما فعل آخوندوف قبله؛ بل كان في دفاعه عن الترقي يهادن رجال الدين و يقف معهم تارة في التجهير بضرورة بسط القانون و المعدلة.

من جهة اخري اذا اردنا ان نبحث عن خيط ينتظم افكار ملكم خان في انقاذ ايران من السقوط و وصولها المجد فان ذلك الخيط هو ضرورة تحكيم القانون و تسنينه علي غرار استحكامه في الغرب حيث ادي هذا الاحتكام الي القانون ادي الي ما توصلت اليه الحضارة الغربية من تطور و ازدهار.

و هذه الدعوة منه كانت محل ترحيب الجميع من رجال دين و قومي متطرف علي حد سواء، و ان كانت طريقة الوصول الي هذا محل نزاع بينهم.

الشخصية الاخري الممثلة هذا التيار هو سيدحسين تقي زاده الذي اكبر دعوته كانت هي ان نصبح كالغرب من فرق الرأس حتي أخمص القدمين. كان تقي زاده يري وجوب تغيير كافة مرافق الحياة و منتجات الفكر من حالتها في ايران آنئذ الي ما هي عليه الحالة عند الاوروبين و بينهم. ففي السياسة و الدين و الاجتماع و الثقافة المطلوب هو مدي التقرب من الغرب و الالتحاق به و تقليده. و بمقدار نجاح هذا التحول تزدهر الاحوال في ايران و تقل مظاهر الانحطاط.

 

 

نصل مما تقدم الي النتيجة التاليه التي تقول ان تعامل اهل الفكر و المنتجين له من منطلق خدمة ايران و بلوغها دولة امبراطورية عظيمة -حيث كان يشكل هذا التوجه المصلحة العليا المتفق عليها عند الجميع رغم عظيم الاختلاف بينهم- ان هذا المنطلق وحد الجميع في الغاية و غض الطرف عن طريقة الوصول اليها.

يقصد بهذا ان التيارات الايرانية المختلفة اذا ما نظرنا اليها من الخارج فسوف نجدها كتلة واحدة تسعي نحو هدف واحد و تتقصده و تتوخاه؛ اما اذا تم النظر اليها من الداخل فهي متنوعة و مختلفه فيما بينها.

لكن هذا الاختلاف كما رأينا لا يعمل كسور عظيم يفصل بشكل نهائي هذه التيارات عن البعض، بل هو ميز معرفي سرعان ما يخبو امام الغرض الايديولوجي الموحد للجميع. و لذلك و بالرغم من هذا التصنيف فاننا نستطيع ان ندرج آخوند زاده مثلا ضمن التيار الميال للغرب و ان نصنف نائني علي انه قومي ميال للغرب اذا ما صنفنا التشيع في ايران بعد الصفويين علي اعتباره دينا مفصلا علي المقاس الإيراني الفارسي و هكذا..

هذه النتيجة الممتخضة من السرد المغتضب السالف تقتضي علي الجهد في فهم هذا التيارات ان ينطلق من اعتبارها تيارا واحدا: موحدا في الغاية مختلفا بوسيلة الوصول اليها. و علي ضوء هذه النتيجة يجب ان ترتب السياسات و تصاغ الفهوم في تعاملها مع دولة إيران.

 

فلا فكر نقي خلو من الغرض الايديولوجي الذي يكاد يكون عند الجميع من هولاء ناموسا جوهريا ازليا لا جدال فيه: إيران  يجب ان تعود امبراطورية عظمي و ان تعود الي سابق عهدها و سالف مجدها. و في سبيل ذلك ما الافكار الا سبل و طرق.