عرب الأحواز وعرب الإسكندرونة

 

 

 

الدكتور سعدالدين ابراهيم 

 

مع قُرب نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918) كان واضحاً أن الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية ستنتصران على الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية. واستعدتا، بالتالى لوراثتهما، أو بالأحرى وراثة الولايات التى كانت خاضعة لهما.

وكانت معظم البُلدان العربية ضمن تلك الخاضعة للإمبراطورية العثمانية. فاجتمع مندوبان عن بريطانيا، وهما السفير سايكس (Sykes)، والفرنسى، السفير بيكو (Pico) سراً فى العاصمة الفرنسية، واتفقا على أن تكون بلاد الشام من نصيب فرنسا، وأن تكون فلسطين والأردن والعِراق من نصيب بريطانيا.

ولم يكن ذلك غريباً فى حينه. فقد كانت البُلدان الأوروبية مُتمرّسة فى اقتسام مناطق النفوذ فيما بينها فى كل من قارتى أفريقيا وآسيا. المهم، أنه فى هذه التقسيمات لم تراعِ القوى الاستعمارية لا الحدود الطبيعية، أو الخصائص الثقافية أو العِرقية أو اللغوية لأبناء تلك البُلدان. كل ما كان يهمها هو الموارد والثروات والمواقع الاستراتيجية.

من ذلك أنه عند اقتسام الولايات المتحدثة باللغة العربية، تركت فرنسا جزءاً من بلاد الشام، وهو لواء الإسكندرونة، للجمهورية التركية الجديدة التى أعلنها مصطفى كمال أتاتورك. وظل أبناء الجيل الثالث فى ذلك الإقليم يتحدثون العربية ـ إلى جانب اللغة التركية التى فُرضت عليهم، فيما سُمى بعملية التتريك التى فرضها مصطفى كمال وحُلفاؤه على أبناء الإسكندرونة من عرب وكُرد وأرمن.

وقد ارتكبت بريطانيا جُرماً مُشابهاً. فقد حرصت على أن تكون أراضى العِراق من نصيبها ـ وهى ولايات الموصل، وبغداد، والبصرة. وكما فعلت فرنسا، فإن بريطانيا، اقتطعت جزءاً من ولاية البصرة، على الشاطئ الشرقى من الخليج، وتنازلت عنه للشاه الإيرانى رضا بهلوى، مُقابل الحصول على امتياز للتنقيب عن البترول واستغلاله. ولم تُلق بريطانيا بالاَ لرغبات وطموحات أبناء ذلك الإقليم، وهم عرب الأحواز. وحينما اعترض هؤلاء الأحوازيون، بقيادة زعيمهم الشيخ عبد الله خزعل، تم التعامل معه وأبناء قبيلته بالقوة المُسلحة المُشتركة لبريطانيا والإمبراطور الإيرانى رضا بهلوى.

 

بل إمعاناً فى التنكيل بعرب الأحواز وإخضاعهم للترتيبات الإقليمية الجديدة، تمت مُحاكمة الشيخ عبد الله خزعل، والحُكم عليه بالإعدام، وتنفيذ الحُكم عليه شنقاً فى قلب منطقة الأحواز، وعلى مرأى من الآلاف من أبنائها حتى يكون عبرة.

أكثر من ذلك، قام الُحكم الإيرانى الجديد بمُحاولات لتفريس الأحواز، تقليداً لمصطفى كمال فى تتريك العرب والكُرد. ومن ذلك أن السُلطة الشاهنشاهية الإيرانية، فرضت اللغة الفارسية، والأسماء الفارسية، وجرّمت استخدام اللغة العربية أو تسجيل المواليد بأسماء عربية ـ اللهم إلا خمسة أسماء شيعية، وهى محمد، وعلى، والحسن، والحُسين، وجعفر.

لقد قاوم العرب الأحواز مُحاولات تفريسهم وطمس هويتهم العربية، فاستمروا فى تعلم اللغة العربية، واستخدامها سِراً فى منازلهم، خلف الأبواب المُغلقة. كما أن من استطاع منهم الهجرة إلى البُلدان الغربية، من الأحوازيين، فقد أسّسوا كيانات وروابط وجمعيات لدعمهم وتثبيت الهوية العربية، والمُطالبة بحقوقهم المدنية والثقافية، وهو ما يُجمع عليه كل الأحوازيين.

ولكن، كالعادة، مع تلكؤ ومُماطلة السُلطات الإيرانية فى الاستجابة لتلك المطالب المشروعة، فإن قطاعاً من الشباب الأحوازى بدأ يُطالب بحق تقرير المصير، والانفصال عن إيران. وقد كوّنوا بالفعل عدة حركات لهذا الغرض. ويُنادى بعضها بالكفاح المُسلح.

وفى مؤتمر حديث عن التنوع فى الشرق الأوسط الكبير، نظمته الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومركز ابن خلدون (23-25/4/2017)، شارك فيه عدد من أبناء الأقليات ـ من إيران وتركيا والمشرق والسودان، والمغرب الكبير، سمع منهم المصريون، ربما لأول مرة، من أبناء الأحواز، الذين يصل عددهم فى الوقت الحاضر إلى حوالى عشرة ملايين نسمة، أى أكثر من سُكان عشرة بُلدان عربية ـ فى الخليج، والقرن الأفريقى، وجُزر القمر، وموريتانيا فى أقصى الغرب الأفريقى.

وللأسف الشديد، يتعرض العرب الأحواز فى إيران للتفرقة والاضطهاد، منذ سلخ أرضهم من جنوب العِراق، على يد النظام الشاهنشاهى ـ أى منذ عام 1920. لذلك رحّب أهل الأحواز بالثورة الإيرانية، التى قادها الإمام روح الله الخومينى، عام 1979، وشاركوا فيها مُشاركة نشطة. وقد وعدهم الخومينى بتلبية مطالبهم المؤجلة من عام 1920، ألا وهى الحُكم الذاتى للإقليم، والتمتع بحقوقهم السياسية والثقافية. ولكن الخومينى حنث بوعده، واتضح أنه وغيره من زُملائه آيات الله، لا يقلّون تعصباً وشوفينية لفارسيتهم عن النظام الشاهنشاهى الذى ثاروا عليه.

لقد تحدث فى المؤتمر ناشطان بارزان، أحدهما عن الكُرد، وهو وزير حقوق الإنسان الأسبق فى العِراق، وهو الدكتور بختيار أمين، والناشط الثانى من الأحواز، وهو الدكتور كريم عبديان، الذى يرأس منظمة للدفاع عن حقوق الأحواز، داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. علّق عليهما عدد كبير من المُشاركين المصريين بالاتفاق أو الاختلاف، ولكن بشكل مُتحضر للغاية. لذلك طالب المُشاركون فى المؤتمر بأن يتكرر هذا التجمع، سنوياً، لمُتابعة تطورات ورعاية التنوع فى المنطقة. ووعد المنظمان، الجامعة الأمريكية ومركز ابن خلدون أن يسعيا إلى ذلك. وبادرت عضوة البرلمان العِراقى السابقة وسفيرة العِراق اللاحقة فى عمان، السيدة صفية السهيل، إعلان استعدادها لاستضافة الدورة الثانية للمؤتمر فى العِراق فى العام القادم.

وعلى الله قصد السبيل

 

المصدر : المصر العربیة