النساء يلدن المستقبل

 

 

 

بدر عبدالملك

 

كنت قرّرت أن لا أكتب مقالات تتعلق بمناسبات، وكأن الكاتب ينتج ويعيد انتاج الافكار ذاتها مع اضافات طفيفة يوهم نفسه بعد تلك الديباجة إنه قد قال أمرًا جديدًا، غير اننا لو عدنا لتلك المواضيع المنشورة سابقًا لوجدناها نسخ مكررة ومملة. وجدت نفسي خلال اليوميين الاخيرين استقبل كما هائلاً من الموضوعات والزهور والشعارات المتعلقة بذكرى يوم المرأة العالمي، ولكنني لم اعثر على احد تطرق لموضوع كيف ان العمل كان سببًا في تحرر المرأة وعصيانها وتمردها وتحزبها، وكان موضوعا مهما لبذرة وعيها وانطلاقة الاضرابات والمطالب الحيوية للنساء في عالم الرأسمال، لم اجد اهتماما من تلك الكتابات المتكررة علاقة يوم المرأة لعالمي كنتاج للمجتمع الراسمالي «التقدمي» باعتباره كان سببا في تحولات المرأة من البيت نحو النضال السياسي بعد دخولها الانتاج والعمل والربط بين اهمية الاقتصاد بالسياسة وعلاقة التحرر بالاستغلال الجشع، فهناك كانت علاقات ديالكتيكية مستمرة بين المرأة وعالم العمل والتقسيم الاجتماعي. لم يهتم احد بأهمية أن العمل للمرأة يحقق لها «الاستقلالية الذاتية» من ربقة قوتين وهيمنتين هما الرجل والمجتمع، ويمنحها الوعي والادراك لقيمتها كإنسانة في دائرة الصراع المجتمعي الواسع. لهذا كان عنصر الاستقلالية الاقتصادية يوفر للمرأة مسألة حيوية هو تشكل شخصيتها وكينونتها، بالاعتماد على ذاتها والحفاظ على كرامتها من سطوة الرجل واهاناته لها في حالة كونها «ربة بيت» فمع أبسط معركة خلافية عائلية تقفز الى لسان الرجل تلك الاهانة الكبرى «انا الذي اصرف عليك في نهاية المطاف !!» تلك الجملة تخترق روح المرأة كالخنجر بخلاف تلك المرأة المتحررة من ربقة زوجها الاقتصادية، حيث تعيش في داخلها اكثر توازنا وانسجاما، بين دورها في الحياة الزوجية ودورها الاجتماعي خارج البيت في عملية الانتاج والعمل. دون شك هناك نساء بليدات قبلن الراحة والنعمة على حساب كرامتهن وذاتهن المستقلة الحرة. اليوم في الثامن من مارس أتذكر زوجتي بقوة حين سألتها ذات يوم على سبيل الامتحان قائلا لها، لو خيرتك بين العمل والبيت ماذا تختارين فأجابت دون تردد العمل طبعا ثم اكملت ولو خيرتك بين الطلاق والجلوس في البيت او خيار العمل فماذا ستختارين، فاجابتني العمل ايضا ومع ذلك اعرفك انك لست جادًا. اتذكر الحسم والتلقائية وثقة ووعي المرأة بنفسها وباهمية العمل لديه

ا خاصة في ثقافة الفضاء الاوروبي (اليوم توسع هذا الفضاء المهني)، فهناك يشكل العمل للمرأة مسألة حياة أو موت، تلك الثقافة بالضرورة تنتج وعيًا نقابيًا ثم سياسيًا وحياتيًا عن ان العمل والنضال من اجل حقوق المرأة مسألتان لا يمكن المهادنة او التنازل عنهما مهما كانت الظروف. طويلاً كانت مسيرة النساء النضالية في العالم، وعبر تلك المسيرة المريرة نجحن في تحقيق بعض المطالب وفي بعض البلدان ولكنها مستمرة في انجاز ما لم ينجز في الجهات الاربع. وبوقت طويل قبل الثامن من مارس، ادرج كارل ماركس عام 1848م في البيان الشيوعي كوثيقة برنامجية بمدى ما تتعرضه له النساء والاطفال من استغلال جشع، حيث كانت تعمل ما يقرب من 16 ساعة عمل، ونادى باهمية تقليل ساعات العمل وحصولها على الاجر المتساوي للعمل المتساوي للرجل. هذا الطرح المبكر في الدفاع عن حقوق المرأة ستحملها العصبة الاولى من الناس الاوائل المدافعون عن البروليتاريا الجديدة كطبقة تاريخية بدأت تقلق الرأسمالية وهي في بدايتها، وبأن تلك العصبة «شبح يجول في أوروبا» فأخذت تنشر بين النساء أفكارًا صدامية تحررية. رحل ماركس من الوجود تاركا بذرة الافكار التحررية للنساء، وكان عليهن الموت حرقا في مصانع النسيج في نيويورك من عام 1908. في هذه الحقبة كانت الانسانية والراسمالية العالمية وحركة النساء العالمي تدخل ميدان صراع محلي وعالمي مع حركة الرأسمال، وكان العالم المتوحش يستعد ادخال قارة اوروبا المركز العالمي للحضارة الجديدة كلها في أول حرب عالمية. في عشية تلك الشهور كتبت الكسندرا كولونتاي الروسية مقالتها في عام 1913م في البرافدا، حول اهمية دور النساء ونضالهن المشترك مع الرجل/ والمجتمع وبتحرير قوة عملهن الاقتصادي ومدى علاقة ذلك بالتحرر السياسي من طغيان حكم القيصرية، وحددت بنظرة ثاقبة لدور المرأة الاجتماعي والانساني، وقد كتبت في تلك المقالة عبارتها الشهيرة عن«إن النساء يلدن المستقبل». هذا العالم الجميل عالم المرأة، الذي ربط الحرية بالخبز والورد ذات يوم، لم ينس انه منبع الموت والولادة، والحاضر والمستقبل.