سورية من الاستقلال إلى حكم الأسد 2012-1945

الاحداث الجارية في سورية منذ ما يقارب العام وما افرزته من وقائع على الصعيدين الاقليمي و الدولي وضعت هذا البلد الشرق الاوسطي الصغير على واجهات العناوين و الاخبار وبات الجميع وخاصة في بلدان المهجر يتسأل من هي سورية؟ اين تقع؟ ما هي مساحتها؟ ما نوع الحكم السائد فيها؟ وما هو تنوعها القومي و الديني؟ و الكثير من الاسئلة الاخرى.

 
ان سورية بحكم موقعها الاستراتيجي و الاقليمي كانت ومنذ غابر الازمان مسرحا للكثير من الاحداث التاريخية وقد وقعت عام 1516 بيد الاتراك العثمانيين واصبحت جزءا لا يتجزء من الامبراطورية العثمانية و استمرت هذه السيطرة ما يقارب اربعة قرون واثناءها شهدت هذه البلاد شأنها شأن المناطق العربية الواقعة تحت السيطرة العثمانية شتى انواع التخلف والحرمان في المجالات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية كافة.

  
ومع نشوء الحرب العالمية الاولى و تحديدا في عام 1916 اعلن العرب بقيادة الشريف حسين ومن شبه الجزيرة العربية ثورتهم الكبرى ضد الامبراطورية العثمانية. وبحكم التناقض القائم بين الامبراطوريتين العثمانية و البريطانية اعلنت هذه الاخيرة مساندتها لهذه الثورة التي تصدت لها السلطات العثمانية بقوة وعلى اثرها قامت في السادس من ايار من عام 1916 بإعدام العشرات من رموزها في كل من بيروت ودمشق، الا انه بعد هزيمة الامبراطورية العثمانية على يد القوات البريطانية اثناء الحرب العالمية الاولى تمكنت الثورة السورية من الانتصار على العثمانيين منهية بذلك 400 عام من الاحتلال العثماني. (1) تاريخ الشرق الاوسط مختصر تاريخ سورية ويكي الكتب. وعلى اثر ذلك حاول السوريين اعلان استقلالهم تحت قيادة الملك فيصل الاول، ولكن يبدو ان مشيئة القدر ارادت ان تخرج السوريين من السيطرة العثمانية لتضعهم تحت السيطرة الغربية فلم يتسنى للسوريين انجاز استقلالهم وحسب وانما قسمت ارضهم واستنادا الى معاهدة سايس بيكو التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا عام 1916 الى منطقتي نفوذ بريطانية وفرنسية حيث تمكنت فرنسا من فرض سيطرتها على سوريا عام 1923 حيث يعتبر هذا التاريخ البداية للانتداب الفرنسي على سورية و بتفويض من عصبة الامم آنذاك. (2) نفس المصدر السابق.

  
السوريون يصرون على استقلال بلادهم: و مثلما رفض السوريين السيطرة العثمانية رفضوا في القوت نفسه عملية السيطرة الفرنسية واحتلالها لبلادهم، فنظموا انفسهم واعلنوا ثورتهم الكبرى عليها بقيادة سلطان باشا الاطرش (وهو درزي المذهب من جبل العرب) ذلك في عام 1925، ورغم ان هذه الثورة قد قمعت بقوة من قبل المحتلين الفرنسيين الا انه قد خلفت وراءها ارثا وطنيا عظيما، حيث استمر النضال السياسي السوري بقوة ضد الفرنسيين وقد اسفر هذا النضال الى اجبار الفرنسيين على الموافقة على منح السوريين عام 1936 استقلالا منقوصا و اثناء الحرب العالمية الثانية اصبحت سورية تحت سيطرة حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان، الان ان قوات التحالف ممثلة ببريطانيا و قوات فرنسا الحرة من السيطرة مجددا على سورية وذلك عام 1941 التي وعدت السوريين بمنحهم الاستقلال بعد ان تنتهي الحرب. ان فرنسا وبحكم طبيعة نظامها الاستعماري آنذاك لم تف بعهدها الذي قطعته للسوريين وتنصلت عن وعدها بمنحهم الاستقلال فما كان من الشعب السوري سوى اللجوء الى الثورة لمقاومة المحتل الفرنسي، الامر الذي دفع الفرنسين الى قمع هذه الثورة بكل قوة و بكل الوسائل العسكرية و لم تحترم حتى البرلمان السوري حيث قامت بقصفه بالمدافع في 29 ايار من عام 1945، ضنا منها انها قادرة على انهاء الثورة و فرض احتلالها عليها، الا ان اصرار الشعب السوري على النضال ضد الفرنسيين ومن اجل تحقيق استقلال بلادهم نقل الحالة السورية الى مجلس الامن الدولي الذي طالب بسحب القوات الفرنسية من سوريا، وتحت الضغوط الدولية انسحبت فرنسا من سورية معلنة استقلال سورية وذلك في 17 نيسان من عام 1946 حيث يعتبر هذا اليوم عيدا وطنيا في سورية.

  
سورية من الاستقلال الى حكم حافظ الاسد. مرت سورية ومنذ اعلان استقلالها وحتى وفاة الرئيس السابق حافظ الاسد، بأربعة مراحل رئيسية وهذه المرحل وحسب تسلسلها الزمني وهي مرحلة الانقلابات العسكرية، مرحلة التوجه الوحدوي، مرحلة وصول حزب البعث الى السلطة، المرحلة التي تعرف بمرحلة حركة التصحيح التي نفذها العسكر بقيادة حافظ الاسد. ( 3) منتدى الجيش العربي السوري، سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد. من هنا يمكن القول ان سورية تعد من بين الدول التي عرفت بأعلى معدلات العنف سبيلا الى تغيير السلطة بالقوة وسيطر نمط الانقلابات العسكرية على الحياة السياسية طوال فترة الاربعينات و الخمسينات والستينات حتى وصول حافظ الاسد الى السلطة عام 1970 اذا يمكن القول ان هذه البلاد ومنذ استقلالها شهدت تسعة انقلابات ثمانية منها عسكرية حيث هناك من يصنف الانقلاب الذي قام به حافظ الاسد على رفاقه في الحزب والدولة على انه انقلاب سياسي وليس عسكري هذا بالإضافة الى ان سورية خلال تلك الفترة شهدت خمسين محاولة انقلابية فاشلة وسوف نشير باختصار الى هذه المراحل (4) نفس المصدر السابق -

            
مرحلة الانقلابات العسكرية:

اولا: انقلاب حسني الزعيم. عندما انسحب المستعمر الفرنسي من سورية و من ثم اعلان الاستقلال لم يترك المستعمر واراءه مؤسسة فاعلة سوى المؤسسة العسكرية، كما ان هذه المؤسسة بذاتها ليست متجانسة و لها ولاءات مختلفة جاء هذه المرحلة بعد انسحاب القوات الاجنبية من سوريا واعلان الاستقلال ولعل اول انقلاب حدث في سورية هو انقلاب حسني الزعيم وقد حدث هذا الانقلاب في 30 آذار من 1949 فعمد الى حل المجلس النيابي وقام باعتقال رئيس الجمهورية وشكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم ووضعهما في السجن حاول كان قائد هذا الانقلاب مواليا للغرب وحاول ان يقوم بإصلاحات علمانية على الطراز الغربي.

ثانيا: انقلاب سامي الحناوي. جاء انقلاب سامي الحناوي ردا على انقلاب حسني الزعيم، وقد حدث هذا الانقلاب في 13 آب من عام 1949 الا هذا الانقلاب وخلافا للانقلاب السابق سرعان ما سلم السلطة الى رجل مدني وهو هاشم الاتاسي و من ثم اعلن عن انتهاء مهمته ممهدا الطريق لإجراء انتخابات برلمانية. و تم تحديد يوم 15 من تشرين الثاني من عام 1949 موعدا لإجراء الانتخابات و كان من ابرز مرشحي هذه الانتخابات ميشيل عفلق الامين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي وصلاح الدين البيطار و مصطفى السباعي وهو رجل حداثوي مسلم و غيرهم.

ثالثا: انقلاب اديب الشيشكلي: حدث هذا الانقلاب في حزيران من عام 1952 قدم على اثرها الاتاسي استقالته وفي 28 من كانون الاول اعلن عن كشف محاولة لقيام بانقلاب عسكري، احيل على اثرها عن مؤامرة فأحيل عدد من الضباط على التقاعد منهم رئيس الاركان، كما اعتقل قادة سياسيين بارزين منهم محمود شوكت و اكرم الحوراني وميشال عفلق و وصلاح الدين البيطار.

   
رابعا: انقلاب 25 شباط عام 1954 بدء هذا الانقلاب من خلال تمرد عسكري قام بها الجيش في مدينة حلب وذلك في شباط من عام 1954 سرعان ما انضمت اليه القيادات العسكرية في باقي المدن السورية، اجبرت في نهاية المطاف الشيشكلي على الاستقالة ومن ثم اللجوء الى العاصمة اللبنانية بيروت و بعد ذلك الى السعودية، ومن بين التهم الذي وجهها الانقلابين الى الشيشيكلي هو استيلائه بالقوة على السلطة.

 
ولعل من اهم النتائج التي افرزها هذا الانقلاب هو عودة رئيس الجمهورية السورية السابق السيد هاشم الاتاسي الى سدة الحكم الذي مهد الى عودة الحكم المني الى السورية من هنا فقد اقدم في 19 حزيران من عام 1954 وزارة محايدة برئاسة سعيد العربي رئيسا للوزراء، ثم تم تعين موعدا للانتخابات البرلمانية. لقد شهدت سورية في تلك المرحلة حالة من الديمقراطية و الحرية وفرت الظروف لعودة الكثير من المنفيين السياسيين الى بلدهم لعل اهم شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية الاسبق التي عاد بعد خمس سنوات قضاها في المنفى ولعل من بين العائدين ايضا خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السورية ولقي العائدين من المنفي استقبالا كبيرا من قبل فئات الشعب السوري كافة.

وفي نفس العام اجريت انتخابات برلمانية حرة شاركت فيها جميع الاحزاب السورية وقد اسفرت هذه الانتخابات عن فوز المستقلين وفي مقدمتهم خالد العظم و حزب البعث و الحزب الشيوعي السوري. 2 - مرحلة التوجه الوحدوي. لعل من سمات هذه المرحلة هي عودة الحياة البرلمانية الى سورية بعد موجة من انقلابات العسكرية، كما افرزت في 18 اب من عام 1955 عن انتخاب السيد شكري القوتلي رئيسا للجمهورية العربية الذي كلف بدوره في 23 آب السيد سعيد العربي بتشكيل الوزارة، وما يميز هذه الانتخابات هو ازدياد نشاط اليسار ممثلا في الحزب الشيوعي في سورية وكذلك حزب البعث العربي الاشتراكي. لقد ثار فوز حزب الشيوعي وتحقيقه المزيد من المكتسبات على الصعيد السياسي و جذبه الفئات و الشرائح السورية المضطهدة حفيظة القوى القومية، منها حزب البعث بجناحيه الاشتراكي العربي بقيادة اكرم الحوراني و البعث العربي بقيادة ميشال عفلق و صلاح البيطار ولعل السبب يعود الى التحالف الذي عقده جناح حزب اكرم الحوراني مع الحزب الشيوعي السوري بقياد السيد خالد بكداش هذا التحالف اثار زعيم ميشيل عفلق زعيم حزب البعث الامر الذي دفعه الى التفكير بكيفية وقف هذا الاندفاع اليساري فطرحت وفي ظل ظروف داخلية سورية معقدة للغاية موضوع الوحدة مع مصر. (5) سورية واصلها، الناشر منتدي الوطن العربي، راجع الشبكة العنكبوتية. الوحدة السورية المصرية الهدف و الغاية:


 
في 15 حزيران من عام 1956 اعلن عن تشكيل حكومة جديدة بقيادة صبري العسلي حلت محل حكومة سعيد العربي وقالت هذه الوزارة في بيانها الوزاري انها سوف تعمل لتحقيق الوحدة الاندماجية مع مصر و بقية الدول العربية الاخرى الحديثة الاستقلال، وقد ترافق هذا الاعلان مع وقوع ما كان يعرف بأزمة السويس و الهجوم التي تعرضت له مصر من قبل بعض الدول الغربية ممثلة به بريطانيا و وفرنسا واسرائيل، فقامت قوات سورية بأمر من عبد السراج وهو عسكري معروف برتبة عقيد وكان يترأس آنذاك جهاز الامن السوري واصبح فيما بعد واثناء الوحدة بين مصر وسورية وزيرا لداخلية دولة الوحدة بتدمير عدد من محطات الضخ التي تنقل النفط العراقي عبر الموانئ السورية. لقد تظافرت جملة من الظروف و العوامل لطرح موضوع الوحدة السورية المصرية منها وجود رئيسين وطنيين على رأس هرم السلطة في كل البلدين هما شكري القوتلي وجمال عبد الناصر و حاجة كل البلدين لمساندة بعضهما وكذلك خوف القوى المحافظة القومية منها و الدينية و التي كانت تمثل شرائح من البرجوازية التجارية و المتوسطة من اطروحات قوى اليسار و القوى الاشتراكية، و في خضم هذه التجاذبات اعلن عن مؤامرة لقلب نظام الحكم في سورية مدعومة من النظام الملكي في العراق، فأوقف اثناءها 8 نواب، و في ظل هذه الاجواء اعاد العسلي تشكيل حكومته لكي تتصدى لهذه المؤامرات و لتهيء الاجواء لقيام الوحدة السورية المصرية (6) سورية واصلها مصدر سابق، و الطاهر ابراهيم، سوريا من عبد الحميد السراج إلى غازي كنعان.

ان دراسة الاسباب الكامنة وراء قيام الوحدة بين مصر وسورية خارج عن اطار هذه الدراسة فمثل ما قامت هذه الوحدة على الامور العاطفية، انتهت بسبب امور عاطفية، لأننا وحتى الآن لم نقرأ اي دراسات جادة حول هذه الوحدة من قبل القائمين عليها وكل ما هو متوفر لدينا هو ان وفدا سوريا ذهب في أوائل آذار من عام 1957 الى مصر وقد كان رد الرئيس المصري السيد جمال عبد الناصر فاترا، و لكن وبعد هذا الطرح حدثت بعض المشاكل في سورية منها الاعلان في 23 آب من عام 1757 عن "مؤامرة" امريكية للإطاحة بالحكومة السورية، على اثرها اعلنت مصر في 9 ايلول من عام 1957 عن كامل دعمها لسورية وبعد مرور يومين على هذا التصريح عقد في القاهرة فجأة اجتماع على مستوى قادة الجيشين السوري و المصري برئاسة جمال عبد الناصر انتهى الاجتماع الى تشكيل قيادة عسكرية مشتركة للجشين برأسه الفريق عبد الحكيم عامر تحركت على اثرها وحدة من الجيش السوري من مصر نحو سورية و نزلت في ميناء اللاذقية السوري وبوصولها تفجر حماس شعبي عاطفي يطالب بالوحدة السورية المصرية. (7) لمزيد من الاطلاع راجع الموسوعة الحرة، الجمهورية العربية المتحدة و سورية و اصلها، مصدر سابق الوحدة بين مصر وسورية من التخطيط الى التنفيذ.

 
وازاء هذا الحماس الشعبي الذي تولد بعد دخول الجيش المصري الى سورية، بدأت الخطوات الاولى باتجاه الوحدة حينما طرح في 9 كانون الاول من عام 1957 حينما عرض ميشل عفلق فكرة وضع قانون من اجل قيام اتحاد فيدرالي مع مصر ليعرضه على الحكومة، ولعل الدافع الذي دفع الحزب لاتخاذا مثل هذه الخطوة وكما اشرنا في سابق من هذا البحث هو تخوف الحزب من النشاط المتنامي و المنظم للحزب الشيوعي السوري داخل الدولة و المجتمع، فوجد البعثيون في الوحدة مع مصر الطريق الوحيد للخروج من هذا المآزق، فعبد الناصر لن يسمح لن يسمح بوجود أي نشاط للشيوعيين في مصر اما الاحزاب السياسية الاخرى ومنها البعث فستكون وفي حال قيام الوحدة مرغمة على حل نفسها وفي معمان هذا النقاشات و صل فجأة في 21 كانون الثاني من عام 1958 وفد من الضباط السوريين و التحق به فيما بعد صلاح الدين البيطار و زير الخارجية السوري آنذاك ليطلبوا من عبد الناصر اقامة اتحاد فوري بين البلدين لان الشيوعين على وشك استلام البلاد.


(8) لمزيد من الاطلاع راجع نفس المصدر السابق اما الحزب الشيوعي رغم اداركه لأهمية الوحدة الا انه يرى ان قيامها و بهذه السرعة ودون وجود أي مقدمات تمهيدية سوف يكون له عواقب وخيمة على نشاطه في سورية، لأنه وبصريح العبارة ليس على استعداد لحل نفسه و تسليم مصير البلدين الى مجموعة من الضباط، من هنا سرعان ما رفض خالد بدكاش الامين العام للحزب الشيوعي التوقيع على اعلان الوحدة وغادر سورية متوجها الى ما كان يعرف آنذاك بالاتحاد السوفيتي. وبذلك اعلنت الوحدة بين مصر وسوية تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة في 22 فبراير شباط عام 1958 وقد وقع على ميثاقها كل من الرئيسين السوري شكري القوتلي و المصري جمال عبد الناصر واختير ناصر رئيسا والقاهرة عاصمة للجمهورية الجديدة وفي عام 1960 تم توحيد برلماني البلدين في مجلس الأمة بالقاهرة وألغيت الوزارات الإقليمية لصالح وزارة موحدة في القاهرة أيضا. أنهيت الوحدة بانقلاب عسكري في دمشق يوم 28 سبتمبر أيلول 1961، وأعلنت سوريا عن قيام الجمهورية العربية السورية، بينما احتفظت مصر باسم الجمهورية العربية المتحدة حتى عام 1971 عندما سميت باسمها الحالي جمهورية مصر العربية. (9) الموسوعة الحرة، الجمهورية العربية المتحدة. العسكريون السوريون من الاندفاع عن الوحدة الى التآمر عليها.


 
خامسا: (انقلاب العقيد النحلاوي) قلنا فيما مضى ان الوحدة السورية المصرية قد تم بفعل اندفاع حفنة من الضباط السوريين و كذلك خشية القوميين و المحافظين السوريين من تنامي النشاط اليساري المتأتي من المعسكر الشرقي آنذاك، ولكن القوى السورية المطالبة بالوحدة وجدت نفسها بعد قيام الوحدة تحت رحمة الجيش المصري الذي كبل حرية نشاطها السياسي و الاقتصادي بالكثير من القوانين و القرارات، الامر الذي دفع بعض من الضباط والساسة بقيادة العقيد النحلاوي الى الانقلاب على مشروع الوحدة فتشكلت في 30 سبتمبر من عام 1961 حكومة سورية جديدة ترأسها مأمون الكزبري، وقامت هذه الحكومة بتحديد موعد لإجراء الانتخابات حيث فاز فيها النواب الذين كانوا اعضاء في مجلس 1958، لكن هذا الوضع لم يدم طويلا حتى عادت سورية مرة اخرى من جديد الى دوامة الانقلابات العسكرية المضادة. ولم يستمر انقلاب النحلاوي كثيرا حتى دبت الخلافات بين الضباط السوريين من جديد فقامت مجموعة من الضباط السوريين القوميين الموالين لمصر من التمرد عليه، وقاموا باقتحام قلعة حلب، و انضم اليهم فيما بعد مجموعة من الضباط المواليين للبعث و على رأسهم كل من حافظ الاسد و صلاح جديد ومحمد عمران.

    
سادسا: انقلاب الضباط البعثيين: في ظل فوضى الاوضاع السياسية و الاقتصادية وازدياد حدة الصراعات داخل المؤسسة العسكرية قامت مجموعة من الضبط البعثين في 8 آذار من عام 1963 من القيام بانقلاب عسكري امسكوا من خلاله بالسلطة، و بعد نجاح انقلابهم قاموا بتشكيل "المجلس الوطني لقيادة الثورة "باعتباره سلطة تنفيذية و عسكرية، وشهدت تلك المرحلة صراع عنيف على السلطة بين الضباط البعثين و الناصريين ادت الى ابعاد الضباط الناصريين من المؤسسة العسكرية وفي معمان هذه الصراع تشكلت حكومة سورية برئاسة صلاح البيطار الذي شكل وزارة اوكل رئاستها الى امين الحافظ.

ولم تقتصر الخلافات بين الضباط البعثيين و الناصرين وحسب و انما انتقلت الى هذا الخلاف الى صفوف الضباط البعثين انفسهم حيث انفجر الصراع الحزبي علنا ​​وقد تجلى ذلك من خلال حركة 23 شباط عام 1966 التي تسلم من خلالها كبار ضباط الحزب السلطة فعين نور الدين الاتاسي رئيسا للجمهورية و يوسف زعين رئيسا للوزراء و صلاح جديد امينا قطريا مساعدا لحزب البعث. وفي ظل هذه الاحداث وقعت حرب حزيران عام 1967 بين اسرائيل و العرب اضافات الى الوضع المتأزم في سورية ازمات مضاعفة سمحت لضابط طيار وهو حافظ الاسد من استغلال تلك الظروف ليمسك بالأمور و ليعلن فيما بعد نفسه امينا عاما لحزب البعث و رئيسا للجمهورية. سابعا انقلاب حافظ الاسد سورية في عهد الاسد. استلم حافظ الاسد الحكم في سورية في ظل اوضاع داخلية و اقليمية ودولية معقدة للغاية، فعلى الصعيد الداخلي ادت الإجراءات التي قام بها الضباط العسكريين و المتمثلة بالتحولات الاشتراكية موجة من القلق لدى كافة شرائح البرجوازية في سورية، كما ان السياسية الثورية التي سلكها الضباط البعثيون هي الاخرى اثارت القلق لدى الكثير من البلدان العربية، وفي ظل الحرب الباردة وانحياز هؤلاء الضباط الى ما كان يعرف بالبلدان الاشتراكية و الاتحاد السوفيتي السابق قلق الكثير من الدوائر الغربية بما فيها اسرائيل التي اخافها التسلح السوري المعتمد كليا على الاتحاد السوفيتي. وجاءت حرب حزيران عام 1967 بين اسرائيل والعرب لتطيح بآمال و احلام هؤلاء الضباط ولتفتح الباب على مصرعيه للصراعات بين اعضاء و انصار حزب البعث التي هزتهم هذه الهزيمة والتي اسفرت عن احتلال اراضي واسعة من سوريا وفي مقدمتها احتلال مرتفعات الجولان و بدأ حافظ الاسد والذي كان آنذاك وزيرا للدفاع عهده عبر انقلاب عسكري عرف فيما بعد بالحركة التصحيحية حيث انقلب على زملائه في الحزب سوآءا من الضباط او المدنيين، فمنهم من القى به في غياهب السجون ومنهم من فر هاربا بجلده الى خارج الوطن. ان طبيعة الضباط السوريين الذين استلموا مقاليد الحكم في سورية من جهة انهم معادون للغرب ومن جهة اخرى معادون للتطلعات الديمقراطية لانهم اعتبروا حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي من شأنه ادارة الدولة و المجتمع اي بعبارة اخرى انه حزب شمولي لا يقبل التعددية السياسية و التدوال السلمي السلطة و لا الانتخابات البرلمانية ن فقد نصت المادة الثامنة من ميثاق حزب البعث في سورية على ان "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة اهداف الامة العربية". (10) من دستور او ميثاق حزب البعث. التنمية المقرونة بالاستبداد السياسي والعنف: خلافا لزملائه السابقين في الحزب نهج حافظ الاسد نهجا مغايرا فقام بفتح نافذة على الداخل من خلال وعوده بإعادة تسليح الجيش المدمر من اجل استعادة الجولان المحتل و الحد من تدخل الدولة في الشؤون السوق و الامور الاقتصادية وذلك عبر فتح نوافذ ابواب التجارة على الخارج و اعتمد ما يعرف بسياسة الخصخصة و اقتصاديات السوق وفعل المادة الثامنة من ميثاق الحزب بالسماح بإيجاد جبهة وطنية تقدمية استقطبت مجموعة من الاحزاب منها الاحزاب القومية و اليسارية وخاصة الحزب الشيوعي السوري الموالي لموسكو، و قام بأجراء انتخابات برلمانية على مقاس النظام وفي المقابل ضرب بيد من حديد على الاحزاب الاخرى المعارضة مثل حزب العمال الشيوعي السوري و الجناح الاخر للحزب الشيوعي و الاخوان المسلمين وغيرهم من المعارضة، و في المقابل قوى الاجهزة الامنية و الاستخباراتية بحيث اصبحت هذه الاجهزة تتدخل في كل شاردة وواردة للشعب السوري، وجاءات حرب اكتوبر لعام 1973 ومشاركة جيشه في هذه الحرب لتمكنه من تقوية مكانته حيث بقي رئيسا للجمهورية منذ انتخابه لأول مرة عام 1971 الى وفاته في 10 يونيو - حزيران من عام 2000.

  
ولقد شهدت سورية في عهد حافظ الاسد تطورا ملموسا و لكن هذا التطور كان مقرونا بالاستبداد السياسي والعنف والفساد و لعل ما حدث في محافظة حماة السورية في فبراير - شباط من عام 1982 الذي قتل على اثرها 30 الف قتيل خير دليل عما نقول. ونتيجة لازدياد حجم الجيش والاجهزة الامنية و الاستخباراتية وتبدل مهامه من كونه جيش عقائدي يدافع عن الوطن الى جيش يقمع الشعب، حصل انشقاق داخل هذا الجيش تزعمه اخوه رفعت الاسد ولكن حافظ الاسد وبسبب خبرته الطويلة في المؤسسة العسكرية استطاع اقصاء اخيه بعد مناوشات محدودة شهدتها مدينة اللاذقية بين الجيش النظامي وقوات سريا الدفاع التي يرأسها رفعت الاسد.

 
لقد ثبت حافظ الاسد حكمه من خلال التحالف بين سلطة رأس المال و السياسة بالإضافة الى رجال الدين الموالين له حيث حظيت وزارة الاوقاف و رجالاتها بدعم كبير وعناية خاصة من الاسد. كما ان هناك جمهرة من المثقفين و المصفقين ساندوا النظام وشكلوا احد الركائز المهمة في تثيبت الحكم، ووضعت الدولة يدها على كل مؤسسات المجتمع المدني بدءا من التنظيمات النسوية و والشبابية و الطلابية الى النقابات العمالية و النقابات المهنية و انتهاءا بالمؤسسات الخيرية التي تقدم بعض الخدمات البسيطة للمواطنين ، كما احتكرت الدولة كل وسائل الاعلام بدء من الاذاعة و التلفزيون وانتهاءاه بالصحف حيث تحتكر الدولة الصحف اليومية ومنها البعث و تشرين والثورة.

 
وفي الوقت الذي كانت تعاني فيه شرائح واسعة الشعب السوري من الفاقة و العوز و الحرمان بني حافظ الاسد مؤسسات حكومية ضخمة وجامعات وتنمية زراعية ولكن كل هذه الامور اقترنت بالعنف و بإذلال المواطن السوري.

  
وفي السنوات الاخيرة من حكم الاسد ضعف دور الجيش و تبدلت عقيدته العسكرية من الدفاع عن الوطن الى وحدات خاصة مهمتها الدفاع عن النظام وغرق ضباط تلك الوحدات حتى رؤوسهم في الفساد و اصبحت المحسوبية و الطائفية المعيار في تبوء المناصب الحكومية، وبذلك اشتدت قبضة هؤلاء الناس لتشمل السيطرة على كل الفروع التابعة لحزب البعث نفسه وعم الفساد مفاصل كل المؤسسات الحكومية بما فيها المؤسسة القضائية، اما المؤسسة التشريعية فأصبحت مهمتها التصفيق للنظام لا غير، اما المؤسسة التنفيذية فيقف وراء كل وزير شلة من رجال المخابرات والامن و اصبحت البلاد تدار بمراسيم جمهورية و توجيهات تصدر من المسؤولين وذلك في ظل قانون الطوارئ و اصبح الاعتقال و التعذيب مهمة سهلة يقوم بها اصغر ضابط في اجهزة الامن و المخابرات التي اصبحت تشرف على كل صغيرة وكبيرة، و بتزاوج السلطة مع الرأس المال وخاصة بعد صدور قانون الاستثمار رقم 10 في عام 1991 الذي رفع القيود عن استثمار القطاع الخاص والاستثمارات الاجنبية في مجالات كانت فيما مضى حكرا على القطاع العام، اصبح الضباط و المحسوبين على النظام من اغنى اغنياء العالم بحيث وصلت ثروة احدهم وهو رامي مخلوف وهو بن خالة الرئيس بما يقدر 111 مليار ليرة سورية. الاحزاب في سورية: منع نظام حافظ الاسد تشكيل اي نوع من الاحزاب المستقلة في سورية و سيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي باعتباره الحزب القائد على كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية و الثقافية لم يسمح الا لمجموعة من الاحزاب "المدجنة" و التي حكم من خلالها سورية والتي تعر ف بأحزاب الجبهة الوطنية السورية وهي عبارة عن ائتلاف صوري تأسس في عهد حافظ الاسد حيث تم في 7 آذار من عام 1972 التوقيع على ميثاق هذه الجبهة و ترسخ وجودها دستوريا بالمادة 8 من الدستور التي تنص أن "حزب البعث العربي الاشتراكي يقود جبهة .... وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات الشعب و وضعها في خدمة اهداف الامة العربية "!