تاريخ الاهواز ( عربستان ) منذ العهد الافشاري وحتى المرحلة الراهنة

تأليف :موسى سيادة

عرض وترجمة  جابر احمد 

الفصل الاول – الحلقة الاولى

 

            مختصر تاريخ  الاهواز  ( عربستان  )

 

مقدمة:

 كتاب تاريخ "خوزستان" منذ العهد الافشاري حتى  المرحلة الراهنة ، هو من تاليف الاستاذ الفاضل المؤرخ العربي الاهوازي المعروف  موسى سيادت ، يتكون من جزئين  وكل جزء من اجزائه ، يحتوي على ما يقارب ال 600 صفحة وقد صدرت طبعته الاولى بجزئيها  الاول والثاني عام 1999،  حيث بذل المؤلف قصارى جهده في تدوين الوقائع التاريخية التي مر بها شعبنا العربي الاهوازي ،  منذ الازمان الغابرة حتى وقتنا الراهن ، مسلط الاضواء، على مرحلة تعد من اهم المراحل واشدها قساوة وظلما بحقه، الا  وهي المراحل "الافشارية "، و"القاجارية " و "البهلوية"  تلك المرحل التي اتسمت بالصراع  الداخلي واطماع التدخلات الخارجية ، ونظرا لاهمية الكتاب، وما يحتويه من مواضيع على غاية من الاهمية، ارتئينا ترجمة وعرض  بعض من اجزائه من اللغة الفارسية ، التي أولف بها الكتاب الى اللغة العربية، خاصة وانني سبق وان تعاملت مع مؤلف ثاني للمؤلف ،  وهو كتابه " تاريخ جغرافيائي خوزستان ) ،  حيث تمت  ترجمة اجزاء  من هذا الكتاب والمعنون تحت عنوان "تاريخ الجغرافية البشرية لشعب عربستان "  ونشرت هذه الترجمة على صفحات الجرايد ، و بعض مواقع الانترنيت الاهوازية والعربية، ولم ابغي من وراء ترجمة هذه الكتب ، الا التعريف بتاريخ  شعبنا  و خدمة  لقضيته العادلة ، كما انني في هذه الترجمة ، سوف اوكد على تسميات ،الاهواز و عربستان و الاحواز ، لاننا ومع الاسف الشديد ونتيجة لظروف موضوعية، لم نتوصل بعد الى توحيد هذه التسميات و استخدام تسمية واحدة ، لأطلاقها على اسم المنطقة، فالمؤلف استخدم تسمية خوزستان  ، الا انه في ثانيا كتبه وضح ومن الناحية التاريخية تسميات كالاهواز والاحواز وعربستان ، فعلى سبيل المثال يرى المؤلف نقلا عن ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 1 ، 385 في اشارته الى الاحواز او الاهواز قوله  هي جمع " هوز " ، اصلها  "الاحواز "  وبسبب الاستخدام الكثير لل "هوز " من قبل الفرس   تبدلت " الاحواز " بمرور الوقت الى " الاهواز " واما فيما يتعلق بالاهواز يقول المؤلف وبنقل عن " دائرة المعارف الاسلامية " الاهواز جمع عربي مفردها هوز huz  بدلا من "  خوز " وهي نفسها هوزايهhuzaya     السريانية  ، اما عربستان فهي تسمية اطلقت على الاقليم  في العهد الصفوي ،   و لاثبات قوله يستند المؤلف على مصادر عدة منها كتاب " مجالس المؤمنين تأليف القاضي نور الله الشوشتري الباب التاسع –  (993 – 1010 هجرية ) وكتاب " تاريخ عالم آراء عباسي " ، مؤلف الجنرال السير برسي سايكس " عشرة آلاف ميل "سيرا " في ايران " ولورد كريزن وغيرهما من الرحالة والمستشرقين ،  وهنا لابد لنا وفي ظل هذه الظروف ان نتاسمح فيما بيننا في مجال التسمية ،  طالما نضالنا ينصب من اجل اعادت حقوق شعبنا وتخليصه من الظلم القومي والاجتماعي الذي لحق به .

يقول المؤلف في مقدمته الجزء الاول من الكتاب، اذ" دونا التاريخ والذي هو مرآة الماضي ودروس الحاضر بطريقة تمكننا  ان نكشف للقارئ العلة والمعلول للاحداث ، ففي مثل الحالة نستطيع تجنيبه   صدور الاحكام السطحية غير العلمية "  كما يقول المؤلف ايضا " لكي ندرك اهمية التاريخ نرى من الضروري  معرفة الاوضاع والاحوال السياسية لكل مرحلة تاريخية وان نمحصها ونبحثها  وندرسها على ضوء  الظروف الزمانية والمكانية " .

ويقول ايضا " وعليه فان كتاب " تاريخ خوزستان " والذي بحث سياسيا وعلميا  في مختلف الحكومات المحلية والمركزية لايستطيع ان يقف موقف اللامبالاة ،  تجاه مختلف العوامل ذات الثأثير في هذا التاريخ ، لماذا ؟ لان " تاريخ خوزستان الحديث المعاصر " لايمكن فصله عن تاريخ ايران ،  وحتى عن تاريخ منطقة الشرق الاوسط ، لذلك فان القارئ الكريم لابد ان يأخذ بعين الاعتبار مرحلة مغامرة" نادر شاه الافشار" وضعف  كريم خان الزند والاستبداد المطلق لسلالة القاجارية ،  ونصائح موسسها " اغا كريم خان القاجار " الى فتحعليشاه حيث  نقراء قوله " اذا اردت ان تحكم مطمئن البال في ايران اسعى لكي يكون شعبها جائع وامي " .

ان هذه التوصية الذي عمل بها الحكام السابقون  لايران  لا يزال يعمل بها  حكام ايران  حتى يومنا  ،  فبعد مضي ما يقارب اكثر من ربع قرن على سقوط نظام الشاه ، وشعبنا العربي الاهوازي  لا بل كل الشعوب الايرانية تعاني من الفقر والامية والحرمان ومن ابسط الحقوق القومية .

وفي الختام لايسعني الا ان اتقدم  بكل الشكر  والتقدير الى الاخ الفاضل  المؤرخ الاهوازي المعروف  السيد موسى سيادت  والى كل  السادة القراء الكرام وارجو للجميع الموفقية والنجاح .

(المترجم ) 

    

 

مختصر تاريخ  الاهواز   ( خوزستان ):

 

 يقول المولف في بداية هذا الفصل،  ان  سهل خوزستان ، وبسبب طبيعته  الجغرافية  ، ونوع تربته ، وعدد الانهار الجارية فيه ، كالكرخة وكارون والجراحي ، والمنحدرة اليه من مرتفعات ايران الجبلية ،  يعتبر من اغني السهول في العالم  ، وكان منذ  الازمنة الغابرة  ، موطنا للتجمعات البشرية  ،  وبعد ان تعرفت هذه  المجتمعات على الزراعة وانتاج الموارد الغذائية عن طريق الزراعة استوطنت و استقرت جماعات كثيرة في هذا السهل  . (1)

 وحول الاقوام التي سكنت المنطقة يقول المؤلف :  كانت خوزستان  (الاهواز او الاحواز اوعربستان الراهنة ) قبل ما يقارب 5000 عام موطن مملكة قوية هي مملكة  العيلاميين ،  حيت ينحدرالعيلاميين من نسل سام (2)  وقد ذكر سفر التكوين الباب الرابع عشر الايات  1،4،5،9،  " كدرلاعومر" ملك عيلام وذكر في الآيات 2 و 9 و17 اسم عيلام . (3)

 في الاية 5 من الباب الرابع عشر من سفر التكوين تم الحديث  عن "زوزيان " ويبدو ان هذه الكلمة تتطابق مع " سوزيان " و "شوشيان " والشوش ، ولكن ورد في قاموس الكتاب المقدس ان " سوزيان "  (14:5) اسم " عموري " وقد اطلقه العموريون على قبيلة كانت تقيم في شرق البحر الميت والاردن  ، وكانوا قوم جبارين ، وبعد حربهم و هزيمتهم  وطردهم من هناك   على يد  " كدر لاعومر "  ملك عيلام  عرفوا  به " بني عمور" (4)  وقد ورد  بشأنها في الاصحاح الرابع عشر من سفر التكوين مايلي :  

1 - كان في ايام امرافل  ملك شنعار ، واريوك ، ملك الاسار ، وكدرلاعومر ملك عيلام ، وتدعال ملك الامم  .

2 - انهم حاربوا بارع ، ملك سدوم ، وبرشاع  ، ملك عمورة ، وشناب ملك ادمه ،  وشمئيبرملك صبوئيم  وملك بالع (وهي صوعر )  .

 3 -  هؤلاء كلهم تجمعوا في وادي السديم ( وهو بحر الملح ) .

 4 -  اثني عشرة سنة خضعوا لكدرلاعومر ، وفي السنة الثالثة عشرة تمردوا .

  5 - وفي السنة الرابعة عشرة  اقبل كدرلاعومر والملوك اللذين معه فضربوا الرفائييين في عشتاروت قرنائيم، والزوزيين في هام ، والابميين في سهل قريتائيم .

6 -  والحورين في جبلهم سعير ، حتى  ابل الفاران عند البرية .

7 - ثم رجعوا وجاؤوا الى عين القضاء  (و هي قادش ) فضربوا كل ارض العمالقة وكل ارض الاموريين المقيمين في حصاصون تامار .

8 - فخرج ملك سدوم وملك عمورة وملك ادمه وملك صبوئيم وملك بالع ( وهي صوعر ) .

 9 -  فاصطفوا للقتال في وادي السديم ، على كدرلاعومر ملك عيلام ، وتدعال ، ملك الامم، وأمرا فال ، ملك شنعار ، واريوك ، ملك الأسار ، : اربعة ملوك على خمسة .

  10 - وفي وادي السديم  آبار حمر كثيرة ، فانهزم ملك سدوم وعمورة فسقطا فيها، والباقون هربوا 11  - فاخذوا جميع اموال سدوم وعمورة وكل مؤونهم ومضوا الى الجبل  . 

 يقول المؤلف ،  ونستنتج على ضوء ما جاء في الكتاب المقدس ،   الباب الرابع عشر ،  من سفر التكوين ،  ان حروب قد وقعت بين البلدان ، المجاورة للاراضي العيلامية ، وان ملك عيلام والذي كان يدعى كدلا عمومر قد انتصر في حروبه على  ملوك هذه البلدان ،  وخضعوا لسيطرته ما يقارب الثالثة عشر عاما وفي العام الرابع عشر ثاروا ضده ، وخرجوا عن طاعته واستنادا الى ماجاء في الكتاب المقدس ،  يتضح لنا بان "زوزيان " او " سوسيان " واخيرا  " شوشيان "  او شوشن و"سوسا" و" سوزا او"الشوش " كانت مقر الدولة العيلامية منذ تأسيسها ، فقد ورد في الاية السابعة عشرة من الباب الرابع عشر من سفر التكوين مايلي   :

  " وعند رجوع ابرام ، بعد ان كسر كدرلاعومر والملوك الذين معه ،  خرج ملك سدوم لملاقاته الى وادي شوى ( وهو وادي الملك ) "  .

 وحول تسمية عيلام بهذا الاسم يقول المؤلف وجاء في قاموس  "الكتاب المقدس ( 1) ان عيلام قرية اول من ولد فيها سام، بيد (10و22 واتو  . (1: 17) واب قبيلة العلاميين وفرس عز ( 4:9)  .

  (2) اولاد عيلام قبيلة اخرى منهم الذين رجعوا من بابل عز ( 2: 31 ) وبعض من اولاد عيلام سواء من هذه القبيلة او من  القبائل   السابقة ،  كانو  اقد  تزوجوا   نساء  غريبات عز (  10 : 26 .

3- البلاد الذي سكنها اولاد سام وسميت هذه البلاد  باسم ولده " عيلام "بيد( 10: 22)  ومملكة " مسطور " تقع في جنوب آشور وغرب فارس وتمتد حتى الخليج الفارسي ( العربي )  وسماها المؤرخ اليوناني  " هيرودوت " به " سيسيا "  واصبحت  جزءا  من  الولايات  الفارسية   وكانت  " شوشن قصر "  ، ايضا هناك ،  يعني في عيلام (2:8، وكانت هذه المملكة في عهد " ابراهيم الخليل " في اوج عظمتها وازدهارها ،  وساعد اهلها  ، في تدمير مدينة "بابل " اش (2:21 )  الا ان يقول المؤلف ،  ويتضح لنا من الكتابات التي تركها " آشور بانيبال "  ,الموجودة في المتحف البريطاني والتي تمثل الحقبة الاشورية  ، التي يعود تاريخها الى ( 668)  الى ( 624)   قبل الميلاد  يؤيد ما جاء في الكتاب المقدس ،  بان  سكنة  عيلام وذريتهم ،  يسمون  بالعيلاميين عز( 4:9).

ويقول المؤلف ايضا " اولاد سام : " عيلام ، آشور ، ارفكشاد ، لود ، وارام " الباب العاشرمن  سفر التكوين " ، و يتحدث الكتاب المقدس  في سفر  عزرا النبي  الآية 2 من الباب  الثاني حول الذين "صعدوا من الجلاء ممن جلاهم نبوخد نصر ، مللك بابل ، الى بابل  ...  "  عن العيلاميين " قائلا : " وبنوعيلام : الف ومئتان واربعة وخمسون " .

وبعد ان يسترسل المؤلف في شرح تلك الحقبة من تاريخ الاعيلاميين ،  يستنبط ان هناك حروبا قد دارت بينهم ،  وبين البابليين ،  وبينهم وبين سكان فلسطين احيانا ،  ولن تخلوا تلك الفترة من الصداقة والوئام  ، ولكن طابع العدواة كان هو الغالب ، الا ان الكتاب المقدس يتحدث عن  معرفتهم ومحبتهم وميلهم للسلام  .

جاء في الكتاب المقدس ان " شوشيان او شوشن " " زنبق " مدينة يسميهااليونانيين به سوساي ، عيلام  ، وكانت عيلام نفسها جزءا من  سوسيانا ، وكانت تسمى " شوشن قصر  " ولا يفوتنا القول ايضا ان عيلام ،  هو عيلام بن سام بن نوح ،  وكانت تسمى اراضي ما بين النهرين بأسمه ، وضمن الحديث عن كدرلاعومر ملك عيلام ،  تحدت كل من سفر" أشيعا " و سفر "ارميا "و"حزقيل " على انه كان نبيا ، ويبدو ان مملكة عيلام كانت في بداية تأسيسها ، مملكة مستقلة تتفوق على مملكة بابل ، الا انها في آوخر ايامها خضعت للسيطرة الفارسية ، اما مدينة " سوسا " فكانت من المدن القديمة جدا ،  وقد ورد اسمها في تواريخ اشور بانيبال الاشوري (650 قبل الميلاد ) ، وقد فتحت من قبل اشور بانيبال ،  وقد ذكر هذا الفتح ونقش على احد الاوابدالحجرية ،  كما ان خارطتها هي الاخرى نقشت ايضا  ، وذكرت بعض الكلمات حولها . ص،4 و 5 من الكتاب .

ويتحدث في المؤلف في ص 5  ، من الكتاب عن الحروب التي دارت بين البابليين والعيلاميين من جهة  ، والفرس والبابليين من جهة اخرى ،  ويعطي هذه المرحلة حقها من حيث الدقة وتفاصيل الاحداث.  يرى المؤلف ان عيلام قبل خضعوها للفرس ،   كانت  قد  احتلت  من  قبل  البابليين  لقد  فتح  البابليون عيلام واستولوا على "  قصر شوشن" وعندما انتصر كورش ملك الفرس على بابل واخضعها لسيطرته اتخذها هو وخلافائه من بعده عاصمة لهم  ،  كما خضعت المدينة لسيطرة جيوش اليونان بقيادة الاسكندر وقد وجد الاسكندر الكثير من النفائس فيها ص5.( 7 )

يقول المؤلف  لقد اسفرت النشاطات التي قام  علماء الاثار  مؤخرا عن توفر المزيد من الوثائق والاسناد  ، مما اماط  اللثام عن الحضارة العيلامية واصلها ومنابعها وكيفيتها من مختلف الجوانب ، مثل اللغة ، الادب ، الفن ، الصناعة ، العقائد ، والافكار ، الحدود ووسعة الحضارة ، الجذور والقومية ، السابقة الحضارية ، كيفية ادارة الدولة ، نفوذ واتساع رقعتها  الحضارة ، علاقات التبادل التجاري بينها وبين البلدان الاخرى ، وكذلك العلاقات مع ساير الاقوام في العالم القديم . ص6  (8)

يقول المؤلف ،  فيما يتعلق بلغة العيلاميين ان هناك  اختلاف ما بين علماء اللغة حول ابجدية ولغة العيلاميين ،الا ان ما هو بديهي ومتفق عليه من قبل  هؤلاء العلماء ، ان  لغة العيلاميين هي لغة " اليافتي " (9) ،  ويبد ان هذه اللغة  كان يعود اصلها الى اجداد العيلاميين ،  و كانت لغة محكية الا انه مع ظهور الابجدية،  اصبحت اللغة والابجدية العيلامية اكثر استقرارا   . (10)

عيلام سبب التسمية :

" في اللغة الاكادية ، البلاد التي تقع في الاراضي المرتفعة ، والواقعة شرق اراضيهم ،كانوا يسمونها  بعيلام  ، و في اللغة الاكادية والبابلية ، تعني عيلام ، الاراضي المرتفعة ايضا ،   اما العيلاميين يسمون   انفسهم  بالخط البسماري "هل تم أ تي HALTAMTI"او "  هاتمتي  HATAMTI  حيث من المحتمل كانت تلفظ " التمتي " ALTAMTI  والكلمة مركبة من جزئين وهي " هل " وتعني " الارض " و "تمتي " وتعني "  المقدس "  او الالهة وبالمجموع كانت تعني الارض المقدسة او ارض الالهة " .)11(

  كما ان حروبا  قد وقعت بين العيلامين  وجيرانهم من الغرب السومريين،  وقد وجد اسم عيلام لاول مرة على احد الرقع  السومرية حيث يذكر ان ملك السومريين " انمباركسي " قد غنم في حروبه مع العيلاميين الكثير من الاسلحة والغنائم ،  اما البارسيون كانوا يسمون العيلاميين وارضهم باسم " اوجاه" او " هوجا " ويعتقدون ان موطنهم الاصلي الجبال الواقعة في شرق الشوش . ص7

مكان ومساحة مملكة عيلام :

الوثائق التاريخية والدينية التي تحدثت عن ذكر العيلاميين كانت تربط على الدوام بينهم وبين سهل خوزستان ( الاهواز – الاحواز او عربستان الراهنة ) وعلى هذا الاساس كان العلماء يعتقدون على الدوام بان حدود ومساحة مملكة عيلام تنحصر في هذ السهل ، الا ان البحوث المختلفة في مجال اللغة وتاريخ العلاميين ،  وضحت بسرعة صحة  الوثائق  التاريخي و الدينية  فيما يتعلق بهؤلاء القوم  ، لان هذه  الوثائق تحدثت باستمرار ،  ان العيلاميين كانوا في تلك الايام القديمة اي مايقارب الالفية الثالثة قبل الميلاد ،  قوم مقتدرون للغاية .( 12)

يقول المؤلف يعتقد العالم  "جولمستند" حول اصل  وجذور العيلاميين ، ان الموطن الاصلي وجذور هو جبال زاجرس وكانو قريبين من اقوام " الهيدالو " ،  كما يرى العالم " هينز " ان الشوش كانت مركز للعيلاميين ،  وكذلك مركز لتجارة ما بين النهرين و ويعتقد انهم كانو لربما  يسكنون  في منطقة شوشتر في شمال شرق خوزستان ، اما الحفريات التي قام بها علماء الآثار الامريكان بقيادة الدكتور " زامبز " في مرتفع  عليان اوضحت ان هذا المحل مركز انشان او انزان ويعد من الاقاليم الاساسية لبلاد عيلام ، وهنا لابد من الاشارة ،  ان مملكة عيلام في اوج عظمتها لا تضم قسما كبيرا من الواحات الايرانية الى حدودها وحسب ،  وانما تضم اجزاءا من بلاد ما بين النهرين وشرق ايران ايضا ،  وكان النفوذ الحضاري المتطور لهذه الدولة لدرجة من القوة بحيث تركت بصماته على جوانب عديدة من جوانب حياة الامبراطورية  الاخمينية ، وحول هذا الموضوع يقول البرفيسور " بوردا "  ان هذا التأثير نشاهده في شكل الالبسة  ، وكيفية ادارة الدولة ، والاستفادة من ابجديتهم " ص8  .

كما يتحدث المولف عن العلاقات التي تربط هذه المملكة بالحضارات الاخرى ،  لا سيما الحضارة المصرية ، حيث يستدل من الاثار المكتشفه في مصر ،  على الارتباط القائم ،  بين الشوش ومصر اما حدود مملكة عيلام في اوج عظمتها  وحسب الحفريات الاخيرة التي قام بها علماء الاثار كانت تمتد من ما بين النهرين غربا ،  الى وادي السند شرقا  ، ومنطقة الخليج جنوبا ،  والى الصحاري  والسهول المركزية  ،  حتى نواحي اصفهان ،  والى نواحي زابلستان في الغرب ،  الى المناطق الشمالية من جبال زاجرس ، ويتضح من الالواح الاثرية المكتشفة في حفريات مرتفعات يحيي وشهداد  ، وبالقرب من مدينة كرمان ،  ان هذه الالواح ،  مكتوب عليها بالخط العيلامي ، مما يظهر اتساع دائرة هذه الحضارة الى شرق وشمال ايران . ص 8 و9  .

لقد كانت مدينة الشوش في مراحل ما قبل التاريخ  ، يعني اوخر الالفية الخامسة قبل الميلادالمركز التجاري لسهل خوزستان ،  وفي مراحل ايلام القديمة والوسطى والحديثة تمتاز بنفس المكانة ولعل السبب الرئيسي لاستيطان البشر في هذه المنطقة ،  يعود الى اراضيها الخصبة ،  الصالحة للزراعة  والتي تم استثمارها قبل ما يقارب العشرة آلاف عام .

وفي القرن السابع قبل الميلاد ،  احتل المهاجرون من الماديون والبارسيون ( الآريين المهاجرين من اسيا الوسطى ) جبال عيلام ،  وبذلك تم التمهيد للقضاء على هذه المملكة العظيمة(  13 )

ومع سقوط السلالة الاخمينية من قبل الاسكندر المقدوني وتشكيل الدولة السلوقية في ايران ،  اصبحت خوزستان ( الاحواز الراهنة أو الاهواز ) جزء من دولة ميسان الجديدة .

وفي العهد السلوقي وتأسيس مملكة ميسان ( ميشن) كانت خوزستان ، تحت الوصاية السلوقية وتقع في جنوب مملكة بتبل وقد تعاقب على حكمها 23 ملكا اولهما يدعى " هيسباوسينس "  وكانت عاصمته مدينة الكرخة،  التي اعاد بناءها من جديد ، ثم اصبح  " ابوداكس " ( 109 – 108 ق .م ) امبراطورا "  للفرثية " وفي تلك المرحلة  اصبحت ميسان جزءا من الامبراطورية الفرثية  ( تقع جنوب شرق العراق الحالي وسهل  خوزستاان اوالاهواز ) وكانت مركزا تجاريا بين الهند والشرق الاقصى وكان لهؤلاء الملوك اساطيل تجارية قوية،  حيث يؤكد الجغرافيون على وجود مثل هذه العلاقات التجارية المتميزة ،  كما يؤكدون ان ان سكنة ميسان كانوا اراميون ساميون ومن عرق ( عربي) . ص10 .

وفي عهد الملك " اتامبلوس " ضرب النقود باسمه (102 –101  ق.م ) ويشاهد تصاوير لهرقل اليوناني على واجهات هذه النقود . (14) .

 ومع ظهور الدولة الاشكانية ، استطاعت المجاميع المعارضة  للسلوقين  وضع حد لسيطرة اليونانيين على ايران ، وبعده ظهور الاشكانيين كدولة قوية مقابل الروم ، "كان عرب المنطقة منذ العهد الاخميني ، وخاصة الاشكانيين معروفون من لدن حكومات  الفرس وشعبها ،  حيث نعلم ان الانتصار الذي حققه الفرس على الروم بقيادة " كراكوس "  في عهد "ارد " اشك الثالث عشر 92 ق.م ) لا يدعو مجالا للشك ان  نصر على الروم  كان مرهون بالمساعدات ومرافقة  الاقوام العربية التي قامت  في تضليل الجيوش الرومانية (15) .

يقول المؤلف لقد استمرت المنافسة السياسية – العسكرية بين الاشكانيين والروم حتى مجيء الاسرة الساسانية ، وفي عهد الساسانيين ،  استمرت الحروب بينهم وبين الروم ايضا ،  الامر الذي انتهي بأفلاس الخزينة الايرانية ، وقد هاجم كل من شابور الاول ( 260 م ) ومن بعده شابور الثاني ( 290 .م ) ومن ثم " قباد بن فيروز " والد  "انوشيروان" كسرى ملك فارس  في سنة( 502   ) بلاد الروم   وكانت هجماتهم ناجحة ، وقد استطاع شابور ان يؤسر سبعين الف جندي من جنود الرومان –(سريان – وسوريين ) من مدن "آمد"  (16 ) و " ميا فارقين " (17) ومقاطعة "  ديار بكر "  (18) ، وجاء بهم وبه مجموعة من القبائل العربية من بنو حنظلة ( بنو تميميم المعروفين ببني العم ) الى ايران  ، وقد اسكن هؤلاء الاسرى ،  في مدن بنيت لهم  على طراز المعسكرات الرومية وقد ساعد هؤلاء الاسرى الايرانيين كمتخصيين ، معماريين ، مهندسين ، حرفيين في الاعمال العظيمة وذات النفع العام ،  مثل جامعة جندي شابور ، بناء الجسور ، السدود ، و الطرق وقد استفادت مقاطعة الاهواز ( خوزستان ) الغنية بالخيرات من خبرات هؤلاء استفادة عظميمة  ، حيث لاتزال اثار تلك المرحلة باقية في مدن تستر ودسبول والشوش و قابلة للاستفادة الى يومنا هذا (19) .

ولايزال بقايا اعراق هؤلاء الاسرى الروم ( النسطوريون )( 20) من العرق السامي ( الآرامي ) متواجدين بين المواطنيين الدسابلة والشوشتريين ، با استثناء الألوار والساده العرب ويمكن التعرف عليهم من خلال بشريهم البيضاء خلافا للون بشرة سكان الاهواز الاصليين .

يقول المؤلف ان الحكام الساسانيين وبمساعدة جبشهم المتعدد الجنسيات وبالدعم اللامحدود من الكهنة  الزرادشتيين ( المؤبدان ) قامو باستغلال الشعوب المغلوبة استغلالا بشعا قل نظيره ، حتى انهم وعلى سبيل المثال لا الحصر منعوا ابناء العامة  ( الرعية ) من الدخول الى المدارس ،  مما عطلوا ظهور الكفاءات لدى العديد من المواطنيين في تلك المرحلة ، وقد وصل الانحطاط لدى كل من دولة فارس ودولة الروم في تلك المرحلة الى اوجه ،  وقد ترافق هذا الانحطاط مع تزايد سهولة  الهجرة والهجمات العربية ، انعدام الامن وعدم استقرارالاوضاع ، التشدد الديني من قبل الكهنة ( المؤبدان ) ، تزايد وتيرة الظلم وفقدان العدالة الاجتماعية ،  بفعل ممارسات كبار رجالات الدولة وحكام الولايات ( البادقيسيون ) ضد المواطنيين ، فرض الضرائب المرتفعة على الرعية ، ظهور الازمات الاقتصادية نتيجة الحروب الطويلة بين الروم والفرس ، تدمير سدود  دجلة والفرات وروافدهما ، انتشار الامراض الفتاكة كالوباء والطاعون ، التمايز الطبقي الصارخ  وكثرت المعتقدات الدينية المختلفة كالزرادشتية  ، البوذية ، المانوية ، المزدكية ، الزروانية ، الترسائية ، وغيرها من المسائل الاخرى التي   زعزعت النظام الاجتماعي الساساني وقلبت موازينه ، مما رفع من وتيرة الاستياء العام لدى جميع المواطنيين وجعلهم يتظرعون الى  مخلص ،  يخليصهم من هذا الظلم ، وقد ترافقت كل هذه الامور مع ظهور الاسلام على يد العرب الساميين  ، الذين دخلوا الساحة  بسلاح معنوي جديد  لم تألفه الهجرات السابقة على مدى التاريخ ، منطلقين من الدعوة    الى    الله ،    والمساواة  ، 

والاخوة والعدالة ، مما جلب  انتباه الطبقات  الاجتماعية   المحرومة والمظلومة الى  هذه الدعوة اكثر  من  الطبقات الاخرى . (21)   الامر الذي عزز النزعة الانفصالية لدى الفلاحين في المجتمع الساساني ،  مسببا سقوط الدولة الساسانية على يد العرب المسلمين .(22)

لقد سقطت الاهواز بيد الفاتحين المسلمين سنة 639 م 18 هجرية و ورغم تعرضها الى الكثير من الاحداث والحروب والاحتلالات الا انها حافظت على طابعها  الاسلامي وانتمائها العربي و استقلالها  منذ ذلك الحين ، حتى ضمت  الى ايران في 20 نيسان  عام 1925 وذلك ابان فترة حكم رضا شاه البهلوية . 

 

انتهت الحلقة الاولى من الفصل الاول وتليها الحلقة الثانية، والتي سنتناول فيها بأختصار اوضاع منطقة الاهواز العربية بعد الفتح الاسلامي وحتى الوقت الراهن .         

    مصادر الحلقة الاولى من الفصل الاول :

 1 -" حفاري هفت تبه دشت خوزستان " ، دكتر عزت الله نكهبان ، صفحة ، 22

2 – عيلام من عرق سام – يعتقد الكتاب المقدس ان العيلاميين من العرق السامي وقد ورد في سفر التكوين الاصحاح العاشر الفقرة 21 والتي جاء فيها ولد سام ايضا بنون وهو ابو جميع بني عامر واخو يافت الاكبر . 22 وبنوسام عيلام وآشور وارفكشاد ولود وآرام ( تاريخ ايران سربرستي سايكس ج 1: 62 ) ( دنياي كمشده عيلام – والتر هينتس ) ، ( تاريخ الادب العربي – احمد حسن الزيات – ص 06) ، ( تاريخ جغرافيائي خوزستان – محمد علي اما شوشتري – ج 1 :79 ) و ( الصراع العراقي الفارسي – الدكتور فاروق ناصر الراوي صفحة 45 )

3- الكتاب المقدس ، باللغة الفارسية  طبع لندن  الصفحات (17 – 18)  ألايات 1، 4 ،5 ،9، 17، 2، 9  من سفر التكوين الباب الرابع عشر .

4 – قاموس الكتاب المقدس ، ترجمة وتأليف الامريكي  مستر هاكس  طبع بيروت  ، الصفحة 452.

5و6 – نفس المصدر السابق

7 – "آثار وبناهاي تاريخي خوزستان "، نوشته احمد اقتداري  ، بخش اول ،  صفحة 3 تا 13

8- اسنادا الى المعلومات التي حصل عليها " تبتي آهار " من خلال النصوص المرقومة على الاوابد التاريخية لمجموعة الآثار القديمة " لقد عرف نفسه على انه " ملك الشوش ، عيلام ، وانشان " الى اخره .

9- " يافت" " الابن الثالث لنوح "بعد سام وحسام ( حام ) .

 10 -  نفس المصدر (1) ص 2

 11 – نفس المصدر (1) ص 22، 24

12 – نفس المصدر (1) ص(28 )

13 – " خلاصه اي درباره تمدن تاريخ ايلام وحفاريهاي هفت تبه "  ،  تحقيق وكرد آوري ، حسن كسرائي ، منابع : 1 -  "ايران در سبيده دم تاريخ " ، نوشته جرج كامرون . 2 – " حفاري هفت تبه "  عزت الله نكهبان ، 3 – كزارشات باستانشناسي ، بروفيسور كانتور انكليسي . 4 – تاريخ ايلام بيرامنه "

14 – " تاريخ ميسان وعشائر العمارة  " ، عبد الله الجويبراوي  ،الصفحة 25 الى 55

15 – "كثرت قومي وهويت ملي ايرانيان " ، نوشته دكتر ضياء صدر ص ، 38 .

16 – " آمد" ، تقع مدينة آمد في تركية بالقرب من ساحل دجلة ،  وكان تعددا نفوسها انذاك  ما يقارب 632 الف نسمة وقد فتحت من قبل العباس بن الغنم سنة 640 م ثم  استولا عليها العثمانيين سنة 1515 م وقد ورد حولها ايضا انها  مدينة تقع في شمال بين النهرين ، حوصرت هذه المدينة من قبل جيوش  قباد بن فيروز ابو انوشروان  وبعد الاستيلاء عليها نهبت لمدة ثلاثة ايام ثم ارسلت الغنائم بواسطة الزوارق عبر نهر دجلة الى المدائن " تيسفون " ثم عقد صلح مع الاهالي سنة 506 لمزيد من الاطلاع راجع تاريخ ايران لبطروفيسكي ، 101 – 102 .

17 – "ميا فيارقين "  ، هي مركز مقاطعة دياربكر تقع بين الجزيرة ( جنوب تركية ) وارمينية التركية ، اسمها التاريخي القديم ( مار تيرو بوليس ) قام ملوك فارس كل من شابور الاول ، شابور الثاني ، و قباد ، بتجميع المسحيين ونقلهم اليها ، وعرفت حينها باسم مدينة الشهداء ( منجد الاعلام ، ص 697 ) .

 18 – " ديار بكر " تقع هذه المقاطعة في جنوب تركية الراهنة وشمال سورية القديمة وتضم كل من مدن " آمد " و " ميا فارقين " فالاسرى الروم   الذين اسرهم شابور الاول ، " 260 م " وشابور الثاني " 390 م " هم من قبائل  بكر بن وائل وهم ساميون  قد جي بهم من هناك واسكنوا في مدن الشوش ، جندي شابور ، ودسبول ، وشوشتر من مدن الاهواز  " لمزيد من الاطلاع  "  ايران از آغاز تا اسلام ، كيرشمن "، ترجمة ، محمد معين ، الصفحة 350 طبعة 1372 هجرية شمسية .

19 – " زندكاني من " ، احمد كسروي ، ص 197 " سيري در قلمروي بختياري  وعشائر بومي خوزستان " ، هنري لايارد ، ص ، 118 و قاموس  " الاعلام "  ترجمة خير الدين الزركلي ج 2 ، 44 .

20 –" النسطوريون "  هم اسراء الروم  من الكلدان والاشوريين  وينسبون انفسهم الى بابل ( كلده ) واشور القديمة ، دينهم فرع من المسيحية الشرقية وفي الو اقع ،  هم من بقايا الاقوام الآرامية ( السورية ) ،  لمزيد من الاطلاع راجع " كثرت قومي وهويت ملي ايرانيان ، دكتر ضياء صدر ، ص ، 29 "

 21 – " ايران در عهد باستان " دكتر محمد جواد مشكور ، ص471 الى 473 .

22 – " تاريخ ايران " نوشته  بطروشفسكي  ، ص، 65