المجتمع المدني الأهوازي- الجزء الاول بقلم: صالح حميد

 

 

 

6 يونيو 2012

 

مقدمة :
يختلط على الكثير من الناشطين الأهوازيين مفهوم المجتمع المدني، حيث يرى البعض بأنه أداة يمكن الوصول من خلالها لأهداف سياسية كالدخول في المؤسسات الثقافية والاجتماعية والمدنية لغرض بث الدعاية السياسية، أو لغرض التنظيم الحزبي، وهذا بطبيعة الحال انعكاسا للنتائج المباشرة للقمع السياسي الذي تنتهجه السلطات الايرانية تجاه الحركات السياسية. وقد حدث في التجارب السابقة أن بعضا من المنشغلين بالمؤسسات الثقافية في الأهواز دخلوا في ممارسة النشاط السياسي فتعرضوا الى المسائلة والملاحقة والسجن وتمت تصفية بعض المؤسسات بحجة النشاط السياسي المحظور .
من جهة أخرى، هناك من يرفضون هذا المفهوم  بدعاوى التمسك بالتراث والقيم الأصيلة ويقولون بان مجتمعنا مجتمع محافظ ولا يتقبلون فكرة المجتمع المدني القائم على أسس الحداثة والديمقراطية والحياة العصرية .
و تبقى الفكرة مجرد مصطلح يتداول هنا و هناك من باب الترف الفكري و إن طرح هذا المفهوم ( المجتمع المدني ) فيتم طرحه بشكل خجول لا يرقى الى أسلوب البحث العلمي والنقاش الموضوعي الجاد .
من الطبيعي أن التغيير الذي يشهده العالم في ضل عولمة تقرب المسافات والثقافات وتوحد أساليب الحياة وأنماط العيش ، أن يلقي بضلاله على مجتمعنا كسائر المجتمعات النامية. وفي ضل انتشار التكنولوجيا ووسائل الاتصال والإعلام، هناك تأثير خارجي يفرض نفسه بقوة على ثقافة المجتمع وسلوك الافراد وتغيير انماط العيش على حد سواء، و إذا بقي مجتمعنا على هذه الحالة  متأخرا عن ركب التطور الحضاري حيث لا يستطيع التأثير أو المشاركة  بمجريات الأحداث التي تجري من حوله فلن يكون قادرا على المشاركة في صنع مستقبله.

و لعل اغلب الأزمات التي نعاني منها على وجه الخصوص الأزمة السياسية في عدم نضوج الاحزاب والمشاريع السياسية وكذلك الشح في انتاج النخبة الواعية التي تهتم بالشأن العام وتقوم بحمل المسؤولية التاريخية وتنهض بشعبها نحو الأمام، هو بسبب غياب المشاريع الفكرية والثقافية وتهميش دور الثقافة والفكر و الإبداع على حساب تضخيم و تكرار وإعادة إنتاج الشعارات السياسية القديمة التي أكل عليها الدهر و شرب .
من هنا نعتقد بأن طرح مفهوم المجتمع المدني سيكون بمثابة مشروع بديل من أجل التغيير المنشود الذي نبتغيه، وعلى مختلف التوجهات الفكرية والثقافية المساهمة في الحوار والنقاش لمعرفة بنية وواقع مجتمعنا وكشف طاقاته وإمكانياته والبحث عن أدوات التغيير. وهذا يتطلب تحليل الواقع الاجتماعي بشكل علمي - لا من خلال إسقاطات أيديولوجية  - من اجل مواكبة الأحداث و المتغيرات الراهنة وصياغة المستقبل على نحو يتمكن الشعب بمختلف شرائحه خاصة الشباب من المشاركة في صنع مستقبله لا أن يبقى على هامش حركة التاريخ كما هو عليه منذ عقود .  
اما بالنسبة لمفهوم المجتمع المدني الأهوازي، فيمكن القول انه طرح في وسطنا الثقافي مع بدايات بروز الحركة الثقافية الجديدة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، إلا أن هذا المفهوم لم يأخذ حصته من البحث والنقاش الجاد  والتبلور والنضج، ناهيك عن صعوبة إمكانية الوصول اليه على ارض الواقع. وعلى الرغم من تأسيس العديد من المراكز الثقافية وإقامة العديد من الندوات والمحاضرات وبعض المحاولات الفكرية البسيطة من اجل نشر هذا المفهوم في أوساط المجتمع، إلا أن هناك قضايا عديدة حالت ومازالت تحول دون انتشار هذا المفهوم سواء على المستوى النظري أو التطبيقي، وبالتالي لم تتبلور الفكرة لأسباب وعوائق عديدة، منها بنيوية وأخرى تاريخية واجتماعية وسياسية كما سنشرح بالتفصيل لاحقا.
تعريف المجتمع المدني :
تعددت الآراء و النظريات حول المجتمع المدني خاصة في عصرنا هذا حيث تسود العولمة و تتوسع نحو كافة المجتمعات بمختلف سماتها الثقافية و التكنولوجية و الاقتصادية و غيرها حيث باتت تقرب المسافات الفكرية و الثقافية و توحد المفاهيم خاصة بما يتعلق بالسوق الرأسمالية و التنمية المستدامة و الرفاه الاجتماعي و انتشار مفاهيم الديمقراطية و حقوق الإنسان و بناء المجتمعات الحديثة و لا مناص لأي مجتمع من المجتمعات من التأثر بهذه الموجة العالمية الجارفة حيث نرى بان المنتجات الاستهلاكية و وسائل الاتصال الحديثة و المفاهيم العصرية تدخل في كل بيت و تصل لكل أفراد الأسرة سواء في المدن أو في القرى النائية بفضل الثورة المعلوماتية و انتشار الميديا و وسائل الاتصال الجمعية .
و لعل مفهوم المجتمع المدني  اليوم يشكل إحدى سمات العولمة الثقافية المتعددة و مهما اختلفت التعريفات حول هذا المفهوم فإنها لا تخرج عن الإطار المرجعي الكلاسيكي الغربي و ضمن الصيرورة التي تشكل خلالها المجتمع المدني  الاروبي منذ عصر النهضة مرورا بهيغل و ماركس و غرامشي  و الى نظريات الحداثة و ما بعدها على يد هايدغر و بوبر و فوكو و غيرهم ، الى أن استقر المفهوم اليوم ليطلق على المجتمعات التي تتبنى نمط الحياة العصرية القائم على مشاركة الشعوب في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية  و المشاركة في صنع القرار الوطني من خلال المؤسسات المدنية في ضل تطورات العولمة الجديدة .
 و ارتبط مفهوم المجتمع المدني في الغرب بالتطور الرأسمالي منذ نظريات آدم سميث و كذلك الثورة الصناعية كما ارتبط بتطور الفكر النقدي و المناهج العلمية و نجاح التجارب الديمقراطية  و بناء المؤسسات المدنية و تنظيم شؤون المجتمع على أسس الحياة العصرية القائمة على تقسيم العمل و التخصص و سيادة الانتاج و دورة رأسمال .
تبنى البنك الدولي تعريفاً للمجتمع المدني أعده عدد من المراكز البحثية الرائدة: "يشير مصطلح المجتمع المدني إلى المجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية. ومن ثم يشير مصطلح منظمات المجتمع المدني إلى مجموعة عريضة من المنظمات ، تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، والمنظمات غير الحكومية ، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية ، والمنظمات الدينية ، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري".(1)
" أما على الصعيد العربي، فان المجتمع العربي يعتبر مجتمعاً قبل صناعي. ومن هذا المنظور فالمشروعية العلمية للمجتمع المدني ما زالت مسيطرة عليها قواعد ومؤسسات موروث المشروعية القدسية الدينية، التي تشكل عائقاً بنيوياً في العبور من الشأن العام إلى الشأن الخاص، فضلاً عن أنها تشكل نمطاً ونظاماً متكاملاً من العادات والقيم والقوانين، والأخلاق، والسلوك، وتحدد العلاقات بين الأفراد والمجتمع، التي تكلست على مر الزمان، والتي تبحث عن حمايتها داخل قوالب طقوس هذه المشروعية، في ظل الحداثة المستلبة نصف عصرية، ونصف دينية، السائدة عربياً. "(2)
أما رأي الباحث العراقي عبدالحسين شعبان فيقول : " إن ما نقصده بالمجتمع المدني، هو: الافراد والمجموعات الناشطون في الحقل العام، المنخرطون في عمل الجمعيات والنقابات والاتحادات والقوى المهنية والسياسية، والمتحدّرون من فئات وطبقات مختلفة، والذين استطاعوا تنظيم أنفسهم على نحو مشترك مقيمين أشكالاً من التضامن بينهم، في ظل ما وفرّته الدولة المدنية، باعتبار نشاطهم عابر للطوائف والإثنيات والأديان والمذاهب والآيديولوجيات والاتجاهات السياسية والانحدارات والعشائرية والقبلية والعائلية والمناطقية."(3)

و في ايران طرح مصطلح المجتمع المدني في المرحلة الإصلاحية من قبل ما يسمى باليسار الديني و كذلك العديد من المفكرين و الباحثين الذين عملوا على بلورة هذا المفهوم بما يتناسب مع التطورات الحاصلة في ايران و لكن بقي المفهوم في فترة المشروع الإصلاحي يتأرجح بين مفاهيم المجتمع الإسلامي الحضاري و الديمقراطية الدينية ( مردم سالاري ديني ) و حوار الحضارات ، المفاهيم التي تبناها الرئيس خاتمي في وقته و بالتالي بقي المفهوم محل النقاش و الخلاف و الجدل العقيم ناهيك عن عدم إمكانية تطبيقه على أرض الواقع . و سادت في تلك الآونة عملية اجتزاء للمفاهيم الحداثوية و ساد التخبط الفكري و السياسي في المشاريع رغم وجود نشاطات و اجتهادات فكرية و ثقافية و اجتماعية واسعة في ضل الانفتاح النسبي .
صحيح أن هناك تعريفات كثيرة و بحوث و دراسات علمية وجادة قدمت في الفترة الإصلاحية على المستوى النظري بشأن المجتمع المدني الايراني، لكن في دولة شمولية ثيوقراطية كايران ترتبط مشاريع التغيير و التنمية و الإصلاح و غيرها بالوضع السياسي بشكل أساسي و تتم عملية التغيير الاجتماعي بشكل هرمي من أعلى راس الدولة و كان مفهوم المجتمع المدني المراد تطبيقه هو ما ذهب إليه خاتمي و نظراؤه ممن كان يطلق عليهم بالإصلاحيين الحكوميين و" اعتبر "خاتمي" فلسفة ما يعرف بالمجتمع المدني مطلبا اجتماعيا أساسيا، وخاصة فيما يتعلق بالحرية والتغيير داخل نظام الجمهورية الإسلامية، ومن أجل إكمال المهام والواجبات التي لم تكتمل منذ الثورة عام 1979م، حيث طرحت الثورة بعض الشعارات والأهداف التي كان ينبغي في النهاية تحقيقها، فجاءت الفترة ما بعد الثاني من خرداد لتفي بتلك الشعارات والأهداف حسب خاتمي، ولتحقق تكامل الجمهورية والسيادة الوطنية، وحق تعيين المصير المتعلق بتحقق شرطين هما المشاركة الشعبية والمنافسة، أي بمعنى تطبيق الديمقراطية، واختلاف الرؤى لدى مسؤولي النظام بعد توقف الحرب؛ ".(4)

المجتمع المدني الأهوازي :
ما يخص مفهوم المجتمع المدني الأهوازي فانه طرح من قبل بعض المثقفين في فترة الحركة الثقافية في التسعينات و بعدها بما سميت بمرحلة الوفاق ( نسبة الى لجنة الوفاق – حزب الوفاق فيما بعد) حيث شهد الإقليم حركة سياسية و ثقافية و اجتماعية واسعة سنتطرق اليها لاحقا إلا أن المفهوم لم يتبلور على الصعيد النظري و بقي حاله حال الكثير من المفاهيم التي طرحت في تلك الآونة و لم يتم التأسيس له بما ينطبق مع الواقع المجتمعي الاهوازي ، ففي ضل الواقع الاجتماعي الذي يعيشه شعبنا هناك عدة عواقب بنيوية و تاريخية و سياسية تحول دون تحقيق التغيير الاجتماعي المنشود و رغم أن التغييرات الذي يشهدها العالم و تشهدها منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص ستلقي بضلالها بالطبع على الشعب العربي الاهوازي خاصة و أن المجتمع يشهد تغيرات ملحوظة سواء بالنسبة لتنامي الوعي السياسي و الاجتماعي أو على صعيد التغيرات في نمط الحياة المعيشية والاجتماعية و الثقافية و كذلك التغييرات الديموغرافية خاصة في ما يتعلق بظاهرة النمو السكاني.
تؤثر التغيرات الديموغرافية المتمثلة بالازدياد السكاني و ارتفاع سكان المدن بالنسبة للريف بفضل الهجرة الواسعة من الريف الى المدن في العقود الأخيرة و ظهور حركة ثقافية و سياسية و اجتماعية من الطبقة الوسطى في مجتمعنا لا باس بها أثرت و مازالت تؤثر على صيرورة التغير الاجتماعي . غير أن هناك العوامل الاجتماعية و الثقافية و العوائق البنيوية و التاريخية و السياسية  و  كذلك الظروف الموضوعية تحول دون إمكانية تحقق عملية الانتقال من طابع المجتمع التقليدي الى مجتمع مدني.
العوائق التي تحول دون انتقال مجتمعنا التقليدي الى مجتمع مدني :

العائق الأول : الثقافة التقليدية السائدة
 لعل أهم عائق في طريق التحول الى المجتمع المدني هي الثقافة التقليدية السائدة المرتكزة على التراث و المبنية على التقاليد و الأعراف القبلية و التنشئة الدينية و المذهبية في ضل انتشار الخرافة و القراءة المتخلفة و الضيقة الأفق للنصوص الدينية  و المذهبية و استحواذ المؤسسة الدينية المرتبطة بالسلطة على المنابر الدينية و الاجتماعية حيث تشكل هذه العناصر التراثية مجتمعة ، نمط التفكير بالنسبة للإنسان العربي في الأهواز ، فإنها بذلك تعد من أهم العوائق التي تجعل مفهوم المجتمع المدني و إمكانية تحققه ضربا من الخيال دون إحداث تنمية ثقافية و اجتماعية و فكرية و ما لم تتم مناقشة جميع القضايا و الظواهر التي تعتبر من التابوهات و المحرمات الاجتماعية و الدينية و التي تعد مناقشتها و الخوض في تفاصيلها تجاوزا و تعديا على قدسية السلطة الدينية و الاجتماعية خاصة في ما يتعلق بالنصوص الدينية او الطقوس و الشعائر المذهبية او العادات و التقاليد و الاعراف الاجتماعية.
  يصنف مجتمعنا انثروبولوجيا ضمن المجتمعات البدائية التقليدية حاله حال العديد من مجتمعات العالم الثالث النامي . و طبيعة المجتمع التقليدية البدائية و بنية العلاقات السائدة و نمط الانتاج الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي من العناصر التي تحدد الوعي الاجتماعي التقليدي .، بمعنى أن الإنسان العربي الأهوازي لا ينظر للحداثة على أنها طريقة للحياة تناسب التطور العلمي و التكنولوجي و الثقافي و الصناعي و التغيرات التي يشهدها العالم بل ينظر للظواهر الحديثة بمنظار وعيه التقليدي المحدود المكون من الثقافة القبلية و الوعي الديني ضيق الأفق ، كما تؤثر نمط الحياة الريفية ( سواء كانت في المدن او القرى) و تكويناتها البسيطة في الوعي الجماعي و إذا نظرنا على سبيل المثال الى طبيعة المشاكل و النزاعات القبلية التي تحدث في المدن فإنها تحل غالبا بطرق ريفية و قبلية ( عشائرية ) و ليس بطرق مدنية و هذا يحيلنا الى ظاهرة " ترييف المدن " أي نقل ثقافة الريف بما تحمله من تقاليد و اعراف و سنن و قيم الى المدن . و على ذلك الأساس فان الثقافة السائدة غالبا ما تكون  ثقافة " ريفية – قبلية – دينية " بشكل عام و ما يحرك سلوك الفرد في مجتمعنا هذه المحددات الثلاث و ان وجدت بعض الحالات الاستثنائية التي لا يمكن تعميمها . و لكن في الغالب الاعم تتم التنشئة الاجتماعية و الثقافية و التكوين النفسي و الاجتماعي لشخصية الانسان العربي الأهوازي في المجتمع على أساس هذه المحددات المذكورة آنفا .
ان عملية الهجرة الواسعة من الريف الى المدن التي حصلت في العقود الأخيرة كان من المفترض أن تحدث تغييرا في الوعي الاجتماعي و طريقة التفكير و السلوك تناسب نمط الحياة المدنية و تساعد على عملية الانتقال نحو المجتمع المدني و لقد اصبحت النسبة السكانية في اقليم الأهواز وفق آخر الاحصائيات ما يقارب 73% سكان المدن بنسبة 27% لسكان الارياف .
لكن ما حدث ثقافيا و اجتماعيا هو العكس حيث بدل أن يتأثر المهاجرين من الريف بالوعي المدني تأثرت المدن بالوعي الريفي و القبلي و هذه الظاهرة بالطبع لها أسبابها الذاتية و الموضوعية و تعود الى غياب المؤسسات الاجتماعية و الثقافية و المدنية المترسخة و بالتالي تدني الوعي المدني و تحكم العقلية التقليدية في العلاقات الاجتماعية ،كذلك غياب عملية تنمية ثقافية و اجتماعية في ضل الاضطهاد التاريخي و التهميش الذي يتعرض له شعبنا بحيث تساعد على اندماج المهاجرين من الارياف الى المدن في الحياة المدنية و أسلوب العيش فيها  و بالتالي نتيجة لعدم تكوين ثقافة مدنية عربية أهوازية تأثرت الاجيال الجديدة بالثقافة الفارسية بسبب عمليات التفريس اللغوي و الثقافي الممنهجة و نشوء ظاهرة الاستلاب الثقافي مع غياب نشاط ثقافي مدني عربي في الاقليم .
إذن كما قلنا ، مرجعيات التراث و الثقافة القبلية و الموروث الديني و الواقع الاجتماعي من العناصر الأساسية التي تحدد الوعي الاجتماعي و ينظر الإنسان العربي الأهوازي في مجتمعنا للمتغيرات الاجتماعية من منظار هذا الوعي التقليدي و يعتبر المفاهيم الجديدة غريبة عليه و يتعامل معها بتحفظ شديد . فالإنسان الذي يفكر بعقلية قبلية لا يرى ابعد من القبيلة و تكون هويته محصورة بقبيلته أو عشيرته على أساس العصبية و قرابة الدم و يتم تحديد الآخر وفق هذه العصبية و الآخر بالنسبة له كل أفراد العشائر الأخرى و نلحظ هنا بان مفهوم الوطنية غير وارد في وعي الفرد الاهوازي و هذا من أهم العوائق أمام الانتقال نحو المدنية.
 كما أنه يتصرف مع الأحداث و الظواهر الاجتماعية وفق الأعراف و التقاليد التي نشأ عليها و ورثها من الآباء و الأجداد و سلوكه محدد بتلك الأعراف و التقاليد و العادات التي تكون بمثابة قوانين و قيم عليا بالنسبة له حتى لو خالفت تلك القيم في بعض الأحيان المرجعية الدينية أو التعاليم الانسانية السامية . على سبيل المثال مفهوم الثأر يعتبر قيمة و عرفا ساميا في الثقافة القبلية و كم نشاهد في حياتنا اليومية من ضحايا يسقطون نتيجة للثارات و الأحقاد و تصفية الحسابات القبلية و في كثير من الأحيان تحدث النزاعات و طلب الثأر لأسباب تافهة جدا لا يستدعي حلها إلا اعتذارا أو جلسة تفاهم و لكن تسفك الدماء و تزهق الأرواح البريئة مثلا بسبب أن شيخا من عشيرة ما لم يتم تقديمه لعملية الزيان أو الإحسان كما تسمى و الأمثلة كثيرة على هكذا تصرفات و ظواهر لاعقلانية تصور المجتمع كأنه يعيش أيام الجاهلية و الشواهد مع الاسف كثيرة على ذلك فمن جرائم الشرف المنتشرة مرورا بجرائم القتل بسبب التنافس على الزعامات القبلية الى مفاهيم بالية عفى عليها الزمن كالنهوة و الفصل و غيرها من العادات و التقاليد و الأعراف و الظواهر البالية التي تنخر بجسد المجتمع و التي تحتاج من جميع النخب و الباحثين و الأكاديميين الوقوف مليا عندها و المساهمة في دراستها و تحليلها و تقديم الحلول الناجعة لكيفية حلها و تجاوزها .
كذا الحال بالنسبة للموروث الديني و القراءة السطحية و المتخلفة عن النصوص الدينية و تفسيرها بما يناسب الوعي البدائي لدى الناس و ما يتماشى مع سلطة رجال الدين على كافة مناحي الحياة الاجتماعية و السياسية و الثقافية و الاقتصادية و استخدام النصوص الدينية لتعزيز سطوة المقدس الديني و المذهبي و السيطرة على عقول الناس من خلال التخويف من العقاب الإلهي و التركيز على التقيد بالطقوس و الشعائر المذهبية التي لا علاقة لها بجوهر الدين و تعاليمه السامية   خاصة طقوس شهر محرم و اختزال الدين و المذهب كله بهذه الطقوس و الشعائر  المملوءة بالمبالغة و التشويه و التزوير و الخرافة و تجاهل و نسيان الرسالة الأساسية للدين و التعاليم السامية فيه .
 فمن خلال هذا الخطاب الديني المتزمت - ضيق الافق - يتم النظر الى كل الظواهر الحضارية و الحداثوية نظرة التشدد و التطرف و يتم تصنيف بقية المذاهب و الأديان  الطوائف في خانة الكفر و الأعداء و بالتالي يتقوقع الانسان العربي المحكوم بهذا الوعي و هذه الثقافة في إطار طائفي ضيق ، و من جهة  أخرى فان مفهوم الآخر الديني بالنسبة له أبناء المذاهب و الأديان الأخرى حتى لو كانوا من أفراد شعبه .
وفق هذا الوعي الديني المتوارث ينظر الإنسان العربي الأهوازي للحداثة و مظاهرها وفق ثقافة الخوف من الفتاوى و آراء المراجع التي تعتبر مقدسة لديه و لا يشوبها الخطأ أو الشبهة و الأمثلة كثيرة على ذلك في تاريخ شعبنا فمن حادثة الجهاد ضد الانكليز التي تمت بفتوى من مراجع النجف و كانت ضد المصلحة الوطنية و حتى الالتزام بفتوى الكرمي إبان الثورة التي نصت بتحريم التعاون مع الحركات السياسية العربية في الاقليم ، الى نشر الخرافة و التجهيل و استعباد الناس بسلطة المقدس الديني و المذهبي و أبقاء الشعب على وضع التخلف و مواجهة كل مظاهر العلم و العقلانية و الحداثة بحجج الحرام و الباطل و المقدس و المدنس .
اذن من شأن الدعوة الى المجتمع المدني أن تحدث تخلخلا في هذا الوعي المكون أساسا من الثقافة القبلية و الموروث الديني و تقوم فكرة المجتمع المدني على نقد هذه المرجعيات التراثية و تؤكد مبادئ المجتمع المدني على قضية المساواة بين المواطنين من خلال الانتقال من مجتمع قبائل و عشائر و بيوت و مناطق الى مجتمع مواطنين و الى مفهوم الشعب العربي بدل مفهوم العشائر العربية و يبقى الانتماء الى العشيرة مجرد سمة من سمات الهوية الاجتماعية (أو ما يسمى في علم الاجتماع بالهوية الفرعية ) لا أسلوب تفكير و نمط حياة بمعنى أن مفهوم الآخر يجب أن لا يكون أفراد العشائر الأخرى المنافسة ، إنما ينظر إليهم كمواطنين من الشعب نفسه وفق مفهوم الوطنية و كذلك الحال بالنسبة للانتماء الديني و المذهبي فلا يجب النظر للصائبة مثلا أو للسنة و غيرهم كآخر بل ينظر إليهم كمواطنين من هذا الشعب على أساس قبول التنوع الديني و الطائفي و القبلي ..الخ و هذا لا يتحقق إلا بتكريس مفاهيم المجتمع المدني و تقبل التعددية الفكرية و التنوع الثقافي و الاجتماعي.
على هذا الأساس فان الانتقال من مفهوم المجتمع التقليدي بسماته القبلية و الدينية و المذهبية و المناطقية و غيرها نحو المجتمع الحديث أي المجتمع المدني الذي يضم كل المواطنين ضمن شعب موحد تحترم فيه كل الشرائح و الفئات و الطبقات الاجتماعية و ينظر الى القبيلة و العشيرة و الطائفة و المذهب مجرد عناصر مكونة للهوية الاجتماعية المتعددة و على أساس هذا المفهوم عندما نقول مواطن أهوازي( أو احوازي أو عربستاني) نعني به كل من الشيعي و السني و الصابئي و المسيحي و ابن فلان قبيلة أو عشيرة أو بيت أو فلان شط أو قرية أو مدينة على أساس الهوية الاجتماعية الواحدة دون تمايز  أو تفاضل .
إن المجتمع المدني من شانه أن يوحد هوية الشعب و يغنيها بالتنوع الثقافي و الفكري و الاجتماعي ، عندها يمكن الحديث عن ثقافة وطنية متنوعة متعددة المشارب و الاتجاهات و سيكون الانتاج الثقافي على مستوى الفن و الأدب و الفكر و الإبداع من إنتاج جميع المواطنين و يمثل كل فئات الشعب .

العائق الثاني : يتمثل في الطبيعة الثيوقراطية للنظام الايراني

 يحارب نظام الجمهورية الاسلامية منذ قيامه مفاهيم الحداثة و التطور الاجتماعي بالاستناد الى مقولة التصدي للغزو الثقافي الغربي و المناداة بضرورة تكريس و نشر الثقافة الدينية من خلال إطلاق مشروع الثورة الثقافية و بالتالي إغلاق جميع أبواب الحوار و النقاش الجاد حول مفاهيم التغير الاجتماعي خشية فقدان مشروعيته الدينية في نظر الجماهير ، تلك الشرعية المزعومة التي تستند على الاسس الدينية و المذهبية التاريخية و على وجه الخصوص نظرية التقليد في المذهب الشيعي و لقد سعت السلطات الى محاربة أي محاولات إصلاح دينية سواء من خلال الدعاية المبرمجة في المناهج التعليمية و الإعلام الرسمي أو من خلال إسكات أي صوت إصلاحي أو مجدد للفكر الديني حيث وصل الأمر في بعض الأحيان الى التصفيات الجسدية و الحبس و الإقامة الجبرية لعدد من الرموز الدينية و الباحثين الدينيين و منع نشر آرائهم و حظر أية نشاطات و فعاليات في النقد الديني التي من شانها أن تمس الجوهر النظري لمشروع ولاية الفقيه أو خطاب الدولة الدينية الشمولية  أو نظرية الحكم الاسلامي .
ومن ضمن المفاهيم الحداثوية التي يحاربها هذا النظام مفهوم المجتمع المدني الحديث و نجد أن هناك تشابها في عداء هذا النظام الثيوقراطي مع أنظمة القرون الوسطى في اروبا في عصر النهضة الاروبية حيث سادت آنذاك مفاهيم العقد الاجتماعي على يد جان جاك روسو  و هوبز و جون لوك و غيرهم من المفكرين في تلك الحقبة حيث تم التأسيس للمجتمع المدني الذي من سماته الديمقراطية و العلمانية و فصل الدين عن الدولة فحارب الكهنوت المشروع التنويري الجديد هذا و في عام (1683) أدانت جامعة أكسفورد توماس هوبز جراء كتابيه: "الدولة" (1642) و "اللـوياثان" أو التنيـن 1651. فقد أدين هوبز لأنه استنتج أو استخلص كل سلطة مدنية من أصل مجتمعي دنيوي و لأنه عارض نظرية الحكم الإلهي المطلق التي تمنح للملك على أساس التقديس و التفويض الإلهي .
 و لمنع ترسيخ مفاهيم الحداثة و التغير الاجتماعي الذي يهدد مشروعية نظام ولاية الفقيه المشابه للمشروع الكهنوتي القروسطي المستند الى نظرية الحق الإلهي المقدس الذي يمنح الحاكم الديني ميزة الحكم المطلق باسم الإله على الشعوب لقد انتهج النظام – بعد أن سرق الثورة و قام بتصفية التيارات الديمقراطية و العلمانية -  انتهج أسلوب محاربة العلوم الانسانية و خاصة الفلسفة و علم الاجتماع للحيلولة دون انتشار مفاهيم الحداثة  التي تهدد استقراره و لما كانت تلك العلوم تحض الناس على التساؤل و التفكير في شؤون الحكم و مشروعية الحاكم و اختيار نمط النظام الذي يحكمهم ، عمدت السلطات بنشر الأفكار و النصوص الفلسفية الإسلامية التي تدعم سلطانها و حصر مصادر العلوم الانسانية بفئات نخبوية محدودة جدا تناصر مشروعها في الأغلب . و آخر انجازات الثورة الثقافية المزعومة هو فصل عدد كبير من أساتذة الجامعات الايرانية خلال حكم احمدي نجاد و بإيعاز مباشر من المرشد الأعلى بهدف ما سموه تطهير الجامعات من الفكر الضال و المنحرف .
بطبيعة الحال أثرت هذا الممارسات و هذا النهج المتبع و مازالت في عدم بلورة مفهوم المجتمع المدني في الأوساط الثقافية بسبب محاربة السلطة التي تصر على فرض النموذج الديني و تجند كل الإمكانيات و الطاقات لمحاربة التغير الاجتماعي و تحاول بكل الجهود الإبقاء على الأنماط  و العلاقات الاجتماعية التقليدية السائدة و في حالتنا الاهوازية دأب النظام على المحافظة على النظام القبلي و كسب ولاء شيوخ العشائر من خلال تشكيل لجنة العشائر( ستاد عشايري ) و دعم النشاطات الدينية و الطقوس و الشعائر المتخلفة المليئة بالخرافة و دعم رجال الدين العرب و منحهم مناصب و ألقاب و كل ذلك على حساب محاربة المظاهر الثقافية التي من شانها تغيير الواقع الاجتماعي . كما عمد الى إبقاء التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و عدم إحداث أي تنمية و تحسين الوضع المعيشي للناس من خلال سياسات التهميش و محاربة الشعب العربي حتى في لقمة العيش و العمل على إبعاده عن أي مساهمة في القرار السياسي و الوظائف و المناصب الهامة في الاقليم و كانت السياسات و الخطط يتم طبخها في طهران و تنفذ في الإقليم من أجل استمرار تهميش العرب و إبقاءهم على بيئة الفقر و التخلف و العوز و الحرمان .
إذن ما دام استمرار النظام الثيوقراطي مرتبط بالبنى التقليدية فالانتقال الى المجتمع المدني يتطلب تحقيق القطيعة المعرفية و الابستمولوجية مع النظام المعرفي السائد أي القطيعة مع الإسلام السياسي و موروثه الاستبدادي المنغلق من جهة و مع البنى الاجتماعية التي تتناسب مع استمرار هذا الفكر من جهة أخرى ، و يجب تأسيس نظام معرفي جديد ، وبالتالي تبني أساليب تفكير جديدة ، علمية ، و نقدية ، وجذرية.

  العائق الثالث :  يتمثل بالتأثر بثقافة الآخر
يعتبر هذا العائق تاريخيا من حيث المنهج حيث أن الآخر في مفهوم الشعب العربي في عربستان هو الثقافة المفروضة منذ ثمانية عقود.
فمنذ سقوط الحكم العربي عام 1925 تفرض الدولة الايرانية الثقافة الفارسية و اللغة الفارسية و التاريخ الفارسي المزعوم و كل ما يمت للفرس بصلة و تحارب لغة و ثقافة و تاريخ الشعب العربي في عربستان من منطلق دولة تسلطية قمعية شمولية أحادية الثقافة و اللغة و الطائفة و  لا تعامل أفراد هذا الشعب كمواطنين لهذه الدولة بل سعت الانظمة المتعاقبة خلال ثمانية عقود و لا تزال تسعى لصهر هذا الشعب و ذوبان هويته من خلال سياسة التفريس و التغيير الديمغرافي و الاستلاب الثقافي و بالتالي التطهير العرقي منذ سقوط الحكم العربي في الإقليم عام 1925 و  شكلت محاولات القضاء على هوية و ثقافة الشعب العربي ردة فعل تمثلت في رفض كل يرمز للآخر بصلة نتيجة سياسات الابارتايد و التمييز العنصري طيلة هذه العقود.
و بدل أن ترفع الجمهورية الاسلامية من الحيف و الظلم و الاضطهاد الذي تعرض له الشعب العربي خلال الحقبة الشاهنشاهية سعت الى تقويض الثقافة المحلية العربية و صهرها و ذوبانها في الثقافة المستوردة بالأساليب القسرية حيث عمدت في تكرار السياسات السابقة و عملت اكثر الى فرض اللغة و الثقافة الفارستين و منع اللغات و الثقافات القومية و اتخاذ سياسة التفريس و التطهير العرقي ضد الشعب العربي و الشعوب الأخرى غير الفارسية في إيران مما أدى الى انصهار و ذوبان الكثير من فئات شعبنا في بوتقة التفريس .
من جهة أخرى تمسك غالبية الشعب العربي الأهوازي بالنظام الاجتماعي القبلي كردة فعل تجاه ما أطلق عليها سياسات التحديث القسري في العهد الشاهنشاهي و الذي كان يساوي بالنسبة للعرب فقدانهم الهوية العربية و الانصهار في بوتقة التفريس و أدت السياسات العنصرية  و عدم إحداث تنمية اقتصادية و اجتماعية يرافقها محاربة مظاهر الثقافة العربية الى عدم حدوث تغيرات اجتماعية و الإبقاء على البنية التقليدية القبلية و الريفية و لم يختلف الوضع كثيرا في عهد الجمهورية الإسلامية حيث استمرت السياسات العنصرية على نفس المنوال إضافة الى بروز الإسلام السياسي و محاولات فرض نموذج الدولة الدينية الثيوقراطية التي ترى أن استمرار البنية التقليدية القبلية الريفية و التاريخ الشيعي للشعب العربي الأهوازي من العناصر التي تساعد على استمرار مشروعيتها و بالتالي هذه السياسات المتبعة تحول دون إحداث تغيير في بنية المجتمع الثقافية و الاجتماعية بتأثير مباشر من السلطات و سياساتها المنهجية .
من هذه الناحية فحل هذه العقبة مرتبط بشكل كبير بالجانب السياسي و بمدى إمكانية حل القضية القومية و تحقيق الحقوق السياسية و المدنية المصرح بها في العهد الدولي و ميثاق الأمم المتحدة و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سواء من خلال إحقاق حق تقرير المصير أو بوسائل أخرى و بالتالي بمدى إمكانية حدوث عملية تنمية شاملة تعوض عن سياسات القهر و الحرمان و الفقر و التخلف الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي من خلال ضرورة إلزامية التعليم العربي و القضاء على الأمية و تغيير المناهج و تشكيل المؤسسات المدنية و الاجتماعية فضلا عن التعويض عن الفقر الثقافي و الاجتماعي الذي يستدعي من جميع التيارات و النخب و الناشطين على الساحة العمل على إحداث عملية تراكمية في مجال العمل المدني و الثقافي و الاجتماعي و التأسيس لثقافة الكتابة و البحث و التدوين و النشر لتجاوز المرحلة الشفهية  و النظر بعين نقدية للقضايا و الظواهر الاجتماعية و الثقافية.
على هذا الأساس فان أي تفكك في الأنماط الفكرية و العلاقات الاجتماعية السائدة في مجتمعنا اليوم من شانه أن يقوض المشروعية الدينية و الاجتماعية للنظام الثيوقراطي أولا و الى تفكك الثقافة التقليدية السائدة ثانيا ، حينذاك يبدأ الناس بالتخلي عن الأنماط السابقة التي كانت تناسب طرق العيش و أنماط الإنتاج الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي التقليدي و يبدؤون بشغل الأدوار الاجتماعية تلقائيا ضمن مؤسسات المجتمع المدني و عندها سيبحثون عن مساهمتهم في صنع القرار و المشاركة في الدور الوظيفي الذي سيجعلهم كمواطنين متساوين  بالحقوق و الواجبات و سيكون حال المجتمع المدني حسب تعبير (غرايم جيل ) " يضم جماعات حرة مستقلة يلتقي أفرادها حول أراء وضروب أنشطة ويعملون من أجل تأكيد مصالحهم والدفاع عنها ، حتى لو كان ذلك ضد السلطة " .(5)
لماذا القطيعة و بأي معنى:
القطيعة مفهوم ابستمولوجي في علم الاجتماع  أطلقه الفيلسوف غاستون باشلار في مجال نقد المعرفة و نقد العلوم و انطلقنا من هذا المفهوم لكي لا نقع في مطب الاسقاطات الايديولوجية في تحليل الظواهر الاجتماعية حيث أن باشلار يعتبر الايدولوجيا عائقا ابستمولوجيا في سبيل المعرفة و حيث أن معارفنا معظمها - إن لم نقل كلها – مستمدة من ثقافتنا التقليدية بمرجعيات التراث و الخطاب الشعبوي المبسط أو من مرجعيات أيديولوجية في أحسن الأحوال و هذه المرجعيات المعرفية كلها غير قادرة على تحليل الواقع الاجتماعي ، لذا يجب تحليل الواقع على أسس الملاحظة الموضوعية و قراءة الواقع و تحليله كما هو و  ليس من خلال إسقاطات أيديولوجية .
أذن التغيير لابد أن يبدأ من القطيعة مع العناصر التي اعتبرناها عوائق أمام الانتقال نحو المجتمع المدني ، أما كيفية حدوث هذا التغيير فيتم من خلال عملية المثاقفة التي سنشرحها بالتفصيل في الحلقة الثالثة حيث ترتبط عملية التغيير الاجتماعي ارتباطا وثيقا بمفهومي الثقافة و الهوية .
بطبيعة الحال عند ما نطرح فكرة القطيعة مع التراث أو التاريخ أو الثقافة السائدة ليس معناه أن نتجاهل كل تلك المرجعيات المعرفية التي تتكون منها هويتنا و ثقافة شعبنا بل نقصد منها النقد و إعادة قراءة كل من التراث و التاريخ و تحليل مكونات الثقافة و الهوية من أجل تجاوز مرحلة الانحطاط و التخلف التي يعيشها مجتمعنا ، مرحلة لم يتجاوز فيها النزاعات القبلية و العشائرية و مازلنا نشهد كل يوم معارك داحس و الغبراء و  مازال شعبنا مأخوذا بتأثير القراءة المتخلفة للدين و المذهب (  التقليد ، الطقوس المتخلفة في عاشوراء ، الطائفية المقيتة) و النظرة الدونية للمرأة و غيرها من الظواهر و المعتقدات و العادات و التقاليد و الأعراف و  العناصر التي تكون ثقافته و مرجعياته المعرفية و تضعه في تصنيف المجتمعات الأكثر تخلفا في القرن الحادي و العشرين . و على هذا الأساس تعني القطيعة نقد المرجعيات المعرفية المكونة للخطاب و نقد الواقع الاجتماعي و الثقافي و تفكيك البنى التقليدية التي لم تعد تناسب التطور الاجتماعي الحاصل و لا تناسب نمط الحياة العصرية و تبني مفاهيم و طرق تفكير جديدة و معالجة آثار التخلف و العنف الاجتماعي و الانطلاق نحو مجتمع يترسخ فيه مفهوم الشعب بدل مفهوم العشيرة و الطائفة و يصبح فيه أفراد المجتمع مواطنون متساوون في الحقوق بدل مفهوم أبناء العشائر ، و مفهوم المواطنة يشمل كل فئات الشعب دون تمييز على أساس قبلي أو طائفي أو مناطقي و غيرها من الانقسامات الاجتماعية.
و نرجوا أن لا يفهم بأننا ضد الدين عندما نطرح فكرة القطيعة مع القراءة المتخلفة للنصوص الدينية بل نركز على حرية الدين و المذهب و المعتقد لكل المواطنين و لكن بفصل الدين عن أمور السياسة و الدولة و القوانين الوضعية المدنية و غيرها من المفاهيم التي هي أمور دنيوية من صنع البشر أنفسهم و هذه الرؤية تناقض الإسلام السياسي الذي يرى تدخل الدين في شؤون السياسة و الاقتصاد و الدولة و كل أمور الحياة و مازلنا الى اليوم نعاني و منذ عقود من مفهوم ولاية الفقيه المطلقة  الذي هو أسوأ شكل من أشكال هيمنة الإسلام السياسي على الدولة و المجتمع و كافة مناحي الحياة.



المصادر و المراجع :
(1)موقع البنك الدولي ، الرابط : http://web.worldbank.org/WBSITE/EXTERNAL/EXTARABICHOME/EXTTOPICSARABIC/EXTCSOARABIC/0,,contentMDK:20581116~pagePK:220503~piPK:220476~theSitePK:1153968,00.html

(2) المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي: دراسة / تأليف توفيق المديني- دمشق : اتحاد الكتاب العرب، 1997 ، ص15
(3) (عبدالحسين شعبان ،مفهوم المجتمع المدني ..بين التنوير والتشهير !!، الحوار المتمدن ، 16-3-2008 الرابط :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=128248
(4) للمزيد انظر : محمد علي زكريايي، اغتيال حجاريان في نظر التيارات السياسية، طهران: دار نشر كوير، ط1، مايو 2000م، ص 28 ـ 31.
(5)غرايم جيل ؛ديناميات السيرورة الديمقراطية والمجتمع المدني، ترجمة : شوكت يوسف ، دمشق، منشورات وزارة الثقافة ، 2005، ص 11